الخميس، 22 يناير 2009

ما بعد غزة…

العدوان الفلسطيني الغاشم على الإسرائيلين !!!
بقلم أسامة عباس
تل أبيب- وكالة الأنباء العالمية: القوات البرية الفلسطينية تجتاح الأحياء اليهودية في مدن لواء الجنوب وتحاصر مدينة بئر السبع من الجهات الأربع.. القوات الجوية الفلسطينية تستمر في قصف مواقع المقاومة اليهودية في "كريات جات" منذ أسبوعين، وتستعمل قنابل محرمة دولياً.. ومن جهة آخرى يهرب سكان "أشكلون" تحت الهجوم المكثف لسلاح البحرية المنطلق من ميناء غزة الدولي (1.1.2020).

في زيارة لي لمعقل من معاقل فتح في رام الله والتي حصلت فيها حركة المقاومة الفلسطينية حماس بأغلبية الأصوات في الانتخابات التشريعية السابقة.. صارحني فتحاوي -وقد علته صورة للقائد الراحل ياسر عرفات وآخرى لمحمود عباس أبو مازن- أنّه إذا أجريت انتخابات فلسطينية اليوم فإن حماس ستحصد الأغلبية الساحقة من الأصوات. وسوف تفوز بالرئاسة الفلسطينية. وهذه المصارحة تمت بعد قمة غزة في الدوحة وقبل وقف اطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية. ففي ظل القصف الإسرائيلي المكثف للقطاع.. اعترف لي هذا الفتحاوي أن الاضطهاد السلطوي في الضفة الغربية بلغ حدا لا يطاق.. وقد يتفجر الوضع نتيجة الضغط الأمني في أيّ لحظة.

ادعيت سابقاً أنّ هذه الحرب على غزة استهدفت كسر إرادة المقاومة عند الشعب الفلسطيني.. وذلك بتصفية حركة حماس في القطاع وابعاد الشعب الفلسطيني عن خيارها الاستراتيجي ونزع ثقته بنهجها السياسي وموقفها المبدئي من الصراع. ولتحقيق هذه الغاية كان على آلة الحرب الإسرائيلية أنّ تسخر الاعلام الإسرائيلي والمتأسرل أو المتصهين لتفتيت معنويات الشعب الفلسطيني ومقاومته. فكانت هذه الحرب حرباً نفسية إعلامية في الدرجة الأولى.
فليس عبثاً أننا نجد الاعلام الإسرائيلي حتى اليوم يفتخر بمقومات القوات الإسرائيلية.. وهمه الوحيد إجراء المقابلات الاعلامية مع أبطاله العائدين من أرض المعركة وخاصة من سلاح الطيران. فهذا الطيار الذي عُرض كمثقف يدرس الفلسفة، يقرأ للفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط ويستعد للمهمة ليلاً والتي سيسقط فيها نساءً وأطفالاً قتلى وجرحى. والأمر لا يزعج ضميره الفلسفي.. ولا يفكر بذلك وهو في طريقه للمهمة! بل همّه الوحيد كيف ينجزها على أتم وجه. وبالمقابل يصمم قادة إسرائيل في خطابهم الاعلامي على أن الجيش الإسرائيلي هو جيش أخلاقي. ولعل المراقب للحرب على غزة يسأل ضميره ما الخطاب الاعلامي الإسرائيلي المتوقع في سياق الخبر الذي سقناه في عام 2020 ؟!! بعد أنّ يبلغ أطفال غزة 2009 ويعتلوا الصف الأول والثاني من المقاومة المسلحة.!
ولعل هذا الخبر يعيدنا إلى قوة حماس المتعاظمة بين صفوف الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية بل في رام الله ذاتها! بعد أن اعتقدت إسرائيل أن حربها وحصارها على غزة سيضعف حماس ويسلخها عن قاعدتها الشعبية. . والحقيقة أنّ الأمور سائرة عكس رغباتهم وأهدافهم! بل إنّ القوى القلسطينية المقاومة التفت حول حماس وقادتها بصورة قل نظيرها.
وإن التطور الذي يحسب لصالح حركة حماس أنّها استمتعت بحيز سياسي ودبلوماسي في قمة غزة في الدوحة.. مع تهميش ما يسمى بالسلطة الفلسطينية وقيادات أوسلو وخط التسوية.. نتيجة سلوكهم وموقفهم السياسي المتخاذل. وقد علق الفتحاوي هناك في رام الله.. أنّ هذا الموقف من قمة الدوحة.. لا يعكس إلا انحراف قيادة التسوية عن تطلعات الشعب الفلسطيني وخياراته السياسية.
رغم العدوان المدمر لمقومات قطاع غزة المدنية من مساجد وجامعات ومدراس ومؤسسات.. ورغم الخسائر البشرية من قتلى وجرحى.. إلا أننا نتابع تضامن والتفاف الفصائل والقوى والشعب الفلسطيني حول المقاومة وبالذات حركة حماس. وهذه الحقيقة وحدها كافية لتفتيت الاعلام الإسرائيلي ونقض ادعاءات المؤسسة الإسرائيلية السياسية والعسكرية حول تحقيق أهداف الحرب على غزة.
في مواجهاتي السياسية مع إسرائيلين.. ومحاولتي كشف زيف اعلامهم وحقيقة تشويه وعيهم الأخلاقي والسياسي من قبل قادتهم، تصدمهم حقيقة انتصار المقاومة في غزة. وادراكهم بفشل الحرب- لمجرد عدم تحقيق أهدافها- توقفهم متجردين أمام أزمتهم الوجودية على أرض فلسطين. وعمق أزمتهم تتجلى في نفسيتهم المهزومة وإن تخفت وراء ترسانتهم العسكرية.. هي نفسية الإسرائيلي الذي يقبع في سياق الخبر عام 2020، وهو يتعرض للاجتياح والقصف المدمر من البحر والجو والبر. فهل يستبق الإسرائيلي القدر قبل أن تتحول هذه النفسية لواقع مأساوي.
لقد تغير العالم بعد عدوان غزة.. وسوف نلاحظ عاجلاً تفتت الخطاب الاعلامي والسياسي الإسرائيلي.. فالانتخابات القريبة ستسرع من تهافته.. لكن المسألة أعمق من حسابات انتخابية. بل هي سلسلة جديدة من أزمة الوجود .. تجلت في لحظة تراجيدية بعد جدال طويل وعميق بيني وبين أحدهم.. عندما سألني: هل ستلقونا في البحر؟!! فأجبته لست معنياً بطمأنتك على مصيرك!! فهي مسؤوليتك الأخلاقية والسياسية لتمنع مستقبلاً العدوان الفلسطيني الغاشم على الشعب الإسرائيلي في مدنه وبلداته الآمنة.

القدس 22\1\2009

الخميس، 8 يناير 2009

غزة هاشم… صراع إرادات

بقلم:- أسامة عباس
في هذه العجالة ومع تسارع الأحداث العدوانية على قطاع غزة.. والذي لا يسمح لليراع أن ينطلق في رسم معالم الأحداث ووضع طبيعة العدوان وجوهره في سياقه الملائم من علاقات الصراع التاريخي بين الحركة الصهيونية وإرادة الشعب المُستعمَر.. أحاول وضع العدوان في صلب التاريخ والصراع والحل (كسر إرادة إسرائيل ومن وآلاها). وذلك بعرض الخطاب السياسي ومواقف الأطراف القريبة والبعيدة.. وكذلك استعادة البعد النفسي لثقافة المقاومة.
كما ساد في حرب إسرائيل على لبنان ومقاومته.. عاد الاعلام الإسرائيلي ليقف في طابور قطيع الجنرالات وسياسة تصفوية لقضية شعبية عادلة. لن نبحث في أسباب الاصطفاف المطلق خلف آلتهم الإسرائيلية .. فالأمر طبيعي يتعلق بخوف اليهودي الوجودي من وجود الفلسطيني. ولكن ما يهمنا هو حقيقة تكريس العنصرية واللأخلاقية والنظرة الإستعلائية ليس فقط تجاه الشعب الفلسطيني .. بل على إرادة الإنسان أينما كان.. فادعائهم أن المجتمعات الغربية ودول قريبة وبعيدة تصمت على عدوانها كي تُمنح الآلة العسكرية فرصة القضاء على المقاومة وكسر إرادتها وفرض حقائق وشروط جديدة. هي سلسلة متواصلة من إرادة السيطرة على وجود الفلسطيني وتشويه حقيقة الصراع. أنّ القضية ليست صراع بين دولة ومتمردين.. وبين دولة وارهاب. بل إنّ الصراع هو صراع وجودي يحدد مدى تثبيت \ كسر إرادة التحرر. إسرائيل ما زالت تحلم في أن يبقى الفلسطيني يخاطبهم باللغة العبرية قائلاً: אדוני .
وعندما تعلن الإدارة الأمريكية من البيت الأبيض: أنّ العملية الإسرائيلية لن تتوقف حتى توقف المقاومة صواريخها.. هو صراع إرادات ومحاولة فرض إرادات. وأبو مازن شريك إسرائيل والولايات المتحدة يعلن أن على إسرائيل وقف عدوانها!!! وكأنه خطابياً يخرج عن إرادة الهيمنة!! وهذا الرئيس المصري يطالب إسرائيل بوقف عدوانها سريعاً … ولكنه لا يتوقف وزبانيته في اتهام المقاومة بجر قطاع غزة والشعب الفلسطيني لمواجهة مع إسرائيل.. ومجدداً يحاول فرض تسوية لوقف إطلاق النار.. أقل ما يقال في حقها أنها تهدف لكسر المقاومة ومحاصرتها. وهذا "مجلس التعاون الخليجي" بلغة متلعثمة تفقد أدنى القواعد النحوية يطالب بمراجعة القيادة الفلسطينية والتعقل في تحقيق حقوقهم. ومجلس وزراء الخارجية العرب لا يبتعد كثيراً ولكنه يختبأ وراء دبلوماسية مهترءة، لا تعبر إلا عن إرادة مسلوبة لأنظمة عربية فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية.. حتى أنّ النظام المصري بمقترحه حول وقف اطلاق النار يلقي بعرض الحائط اجماعاً عربياً ضعيفاً وهزيلاً أصلاً.
مقابل إرادة السيطرة التي تمثلها إسرائيل والولايات المتحدة ومقابل إرادة مسلوبة للنظام المصري والأنظمة المُعدلة.. تقف إرادة التحرر التي تقود وجهتها في هذه المعركة، المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. ولكن قبل الخوض في إرادة التحرر لا بد أن نضع التحركات التركية بقيادة رجب طيب أردوغان في قلب صراع الإرادات. هذا أردوغان الذي يحمل على كاهله إرثاً أكثر تعقيداً وخطورة من كافة الدول العربي مجتمعة.. ولكنّه بفعل الإرادة المتحررة عبر عن موقف أكثر عروبياً وفلسطينياً من دول عربية وقوى فلسطينية مسلوبة الوجود. بالرغم من علاقات تركيا مع إسرائيل وحتى مناوراتها العسكرية وعضويتها في الحلف الأطلسي..
عندما كان الفلسطيني يلقي الحجر كانت الأسلحة الفتاكة وحتى الدبابة الإسرائيلية تواجهه بعنف. واليوم مقابل صواريخ فلسطينية الصنع يتحرك سلاح الجو الإسرائيلي.. ومقابل “الجراد” صيني الصنع.. تحلق في أجواء قطاع غزة الأباتشي وال F-16 أمريكية الصنع. فإذا ادعى أبو مازن عبثية قذائف القسام.. فهل يجرأ على وصف الحجر بالعبثية؟!!. فنسبة القوة بين الحجر والقناصة هي ذاتها بين القسام والأباتشي. إن المبدأ واحد... وإرادة التحرر واحدة منطقاً وجوهراً.. ولكن تشكيلاتها العملية تتطور وتتناسب مع صيرورة الصراع ودالته الطردية.
ظنّ جنرالات آلة الحرب الإسرائيلية أنّ قطاع غزة هي الحلقة الأضعف في قوى الممانعة للأمة الإسلامية والعربية.. وعن طريق الاعتداء الآثم يمكن أن يفرضوا ميزان قوة وفرض حقائق جديدة في القضية الفلسطينية والمنطقة.. ولكنّ صمود المقاومة الفلسطينية والتفاف الشعب الفلسطيني بكافة مركباته حول خيار المقاومة أثبت أنّ إرادة الشعب لا تنكسر تحت وطئة السلاح المتطور والقنابل الذكية.
أراد الساسة الإسرائيليون تصفية حساباتهم الانتخابية على دماء أطفال ونساء وشيوخ شعبنا الفلسطيني في غزة.. ولكنّ تماسك الأهل في غزة وصمودهم الأسطوري سوف يصفي ساسة إسرائيل الذين يجزون بمجتمعهم اليهودي في عداء أبدي مع الإنسانية والأمة العربية..
أراد الاعلام الإسرائيلي أنّ يخدع المجتمع اليهودي ويخدع نفسه في الأهداف المعلنة للاعتداء على قطاع غزة.. فرددوا هدف ساساتهم وجنرالاتهم حول وقف صواريخ المقاومة.. ولكنهم نسوا أنّ الاعتداء هو أعتداء على الشعب الفلسطيني.. وأنّ القتلى من الأطفال والنساء… وإبادة عائلات بكاملها.. لا تزيد هذا الشعب إلا تمسكاً في خياراته وإرادة التحرر المقاومة.
لقد اختار شعبنا الفلسطيني أن يقاوم هذا العدوان.. وأنّ يقف صفاً واحداً .. تحت إرادة راسخة ضد محاولة تصفية القضية الفلسطينية وفرض حقائق أمنية وسياسية مجحفة.. وقرر أن يفرض إرادته على إسرائيل وعلى الأنظمة العربية المتآمرة وعلى الشرعية الدولية المزيفة.
القدس - 8 \ 01 \ 2009

السبت، 13 ديسمبر 2008

إسرائيل- إشكالياتها الوجودية.. والحركة الإسلامية

بقلم:- أسامة عباس
كنا قد عرضنا سابقاً منطق النظام الكوني الذي أنشأه الإسلام، وكيف أنّه يختلف تاريخياً وجوهرياً عن تجارب أممية في التاريخ البشري. ذلك أنّ نشاته تختلف وتطوره يختلف.. وكذلك الحلول لإشكالياته تختلف اختلافاً كبيراً -بل قل جوهرياً- عن إشكاليات ثقافية أو سياسية أو اقتصادية لأمم آخرى عظيمة.

وإذا اتهِمنا بنمطية التفكير والتحليل.. فهذا يدل على عدم تعمق -المُدَّعي- وإحاطته بالمفاهيم التي أستثمرها بكتاباتي (خاصة مفهوم "العقل الكوني").. وطبيعة التحليل الذي تخطه هذه المفاهيم. ولكن بدايةً، يكفيني حقيقة تاريخية ساطعة، تدفعني للتساؤل حتى أطمئن لتحليلي: هل شهدنا في التاريخ الإنساني -القديم والحديث- أنّ كياناً يلصق بنفسه صفة الدولة.. يُؤَسَس بصورة غريبة!!.. في محيط معادٍ له بالفطرة والفكرة !!.. وكأنّه حلم في رواية خيالية ما له مكان في واقعنا الجغرافي والسياسي؟!! هل يعقل أن يتحقق هذا الحلم بهذه البساطة لتصل حد "التفاهة" التاريخية؟! وكأن هذه الإشكالية التي رافقت دولة إسرائيل -منذ نشأت فكرتها مروراً بتطبيقاتها حتى تجليات أزمتها الوجودية حالياً- تتعلق بشكل جوهري بمنطق النظام الكوني للإسلام!! إذاً لماذا لم تتكرر ذات الظاهرة الغريبة في أمم أخرى؟! وهل حالتها الإستثائية تدل على مميزات النظام وتفرده الوجودي؟! وتعبيراً عن تفرد حلوله الحضارية والثقافية الاستثنائية!!!
لماذا أنشأت إسرائيل في واقع اعتبر أصلاً محضناً آمناً لليهود خاصةً؟! أوَ كانت لتنشأ في بيئة معادية نفسياً وأخلاقياً وسياسياً وعقائدياً لمجرد يهودية الإنسان؟! كما هو الحال في السياق الأوروبي المسيحي!. فبعيداً عن تقديس التاريخ وتحنيطه في المثالية "السلفية".. مّثل الواقع الإسلامي بالنسبة لليهود وضعية وجودية خاصة-إن لم تكن فريدة- بل هي فريدة، ولم تتوفر لهم قروناً عبر شتاتهم بين أمم الأرض.
أسئلة كبيرة تحتاج لدراسات تاريخية متعمقة ومستفيضة.. ولكنها لن تغير حقيقة كون إسرائيل حل لمشكلة وجودية يهودية (أو ممكن أنّ تعبر عن الوجود اللاإنساني الغربي).. منبتها الغرب الأوروبي وتجلياتها السياسية والثقافية لم تخرج من الحيز الجغرافي الأوروبي.. ولكنَّ حلها "الافتراضي" أخطأ المكان ولم يخطأ الزمان. أخطأ المكان، لإنَّ تقديرات الحركة الصهيوينة لجغرافية الحل لم تتعدى كونها تهور استراتيجي في الوجود اليهودي الإنساني. ولم تخطأ الزمان حين لعب لصالحها..! حيث تخلف المسلمون عن مستوى تحديات عصرهم ونكصوا على صعيد دورهم الإنساني الكوني، فمثلوا أمة واهنة أمام "حلم شعب" وسياسات مصالح دول عظمى.
لقد مثلت –جغرافية الحل- كارثة استراتيجية بالنسبة للوجود اليهودي الإنساني، فالزمان ممكن التبدل والتقلب.. تارة لصالح المسلمين وتارة لصالح آخر.. وهذا يعطي للحل الافتراضي[1] احتمالات تطبيق وليس مطلق التطبيق!. ولكنَّ المكان ينفي الوجود الافتراضي للإسرائيلي.. فالمكان ثابت غير متبدل. ففلسطين ستبقى فلسطين وإن هُجِّر وشُرِّد إنسانها.. وإن هُدِّمت المعالم والآثار.. وإن عُقِّدت الاتفاقيات أو بنيت الجدران. إذاً عامل الزمان النسبي ممكن أن يقف في صف إسرائيل ولكن عامل المكان (النسبي والمطلق) لن يخرجهم من إشكالياتهم الوجودية المتعلقة بحلهم الافتراضي.. ولن يطرح الحلول للمشكلة اليهودية التاريخية، بل سيعقد المشكلة.. ويحوِّلها من إشكالية غربية الفكر والسلوك إلى عالمية (أو ما نطلق عليه "عولمة الإشكالية اليهودية") الأبعاد والارتباطات[2].
يعتقد المسلم أن عامل الزمن لصالحه.. واليهودي يحكمه شعور بالخوف من المستقبل المُغيّب، فهو على يقين أنّ حله الافتراضي لمشكلته التاريخية لن يخلد أبداً: أولاً، لأنه يغرق في محيط إسلاميٍّ بشريٍّ يُخيف كل من يتأمل الخارطة ويتصورها في ذهنه. ثانياً، لا يمكنه تجاهل اختلال التوازن العسكري كلما تقدم في العمر بعد الستين عاماً (سياسياً). ثالثاً، لا يمكنه إخفاء عمق الجرح الذي سببه لأهل الأرض نفسياً وثقافياً وسياسياً. رابعاً، لن يقدر على تصحيح خطأه التاريخي، فهو منهمك في تبرير ما فعله وسيفعله مستقبلاً بتكريس الكراهية والعنصرية والخوف في المجتمع اليهودي. خامساً، لقد وصل مشروعه الصهيوني(الحل) لطريق مسدود بل زاد مشكلته اليهودية تعقيداً وقساوة.
واقعياً ليس بالسهل على المجتمع (كشعب) اليهودي المُستعمِر العودة لدول المنشأ (بولندا- روسيا- ألمانيا...إلخ) لإعادة شرعية وجوده هناك... والمجتمع اليهودي الشرقي( العربي على الأغلب) قد انفصل وبادر لقطيعة مع منشأه الإسلامي العربي. فإسرائيل تربط هويتها الثقافية والسياسية مع الثقافة الغربية الأوروبية (الديمقراطية!! ) ولكنّها لا تفتأ تذكر نفسها أنها في محيط شرق أوسطي معادٍ. وهذا التناقض بين الإنتماء الثقافي والإنتماء الجغرافي يزيد من إشكالية الوجود اليهودي تعقيداً وارتباكاً وثم خطورة. فإذا افترضنا سلاماً ممكناً فلا بد من إزالة حدود جغرافية مفتعلة- إرادياً أو غير أرادياً. أمّا خيارة الإرادي بالانتماء الثقافي فلن يزيد إشكاليته إلا تعقيداً ولا وجوده إلا تدميراً.
في هذا السياق الثلاثي (الزمان والمكان وعولمة الإشكالية) يدخل الإسلام كمنظومة كونية في تحديد طبيعة وصور الوجود اليهودي والمتمثل: بالإشكالية، والحل (الصراع)، وتفكيك الحل(الصراع). ولكن علينا أن نضع هذا التثليث في سياق مفهوم العقل الكوني. هدفنا بذلك تجاوز الحلول الاستسلامية وعدم اجترار مواقف وقرارت تسمى "الشرعية" الدولية.
فعندما بدأ نزول القرآن كلام الله تعالى على محمد (صلى الله عليه وسلم) ثَّم نطق الرسول بلسانه المبين بدأ العقل الكوني نشأته وتكوينه. بدأت ترتسم مقوماته ومميزاته العقدية والإنسانية ومن أهمها: تجاوز الزمان والمكان وثَمَّ تفكيك القبلية أو القومية. ونحن لا نقصد أنَّ محمداً تصرف خارج زمانه ومكانه.. بل الحق أنه -من خلال واقعه المرتبط بعامل المكان والزمان- وضع إشكالية الإنسان الوجودية –أيّ إنسان- في المركز (وهنا الفرق بين الأنسنة والإسلام)[3] .. هكذا عولم الدعوة والرسالة.. فغدت "رحمة للعالمين".. فنصفها تبعاً لذلك بالكونية لأنها تَحُل إشكالية الإنسان وارتباطاتها مع ذاته والكون والخالق. والعقل يقصد به تلك الآلة التي تستوعب هذه الإشكالية وتذوتها فكرياً وسلوكياً وشعورياً.. وترتقي في أدائها ومقصدها لمنهجية (ومنطق) العقل الكوني، التي تتجاوز التثليث وتبعاته البرغماتية المحدودة والترابية.
لا يمكن للمسلم مهما انغمس في علاقات الصراع (ما يسمى العربي-الإسرائيلي) أن يغفل عن إشكالية الإنسان التي وضعها القرآن والإسلام في مركز الحياة الدنيا. ولا أملك حالياً تعبيراً أو تعريفاً دقيقاً لهذه الإشكالية إلا: " إحداث التوازن والإنسجام بين عبودية الإنسان لخالقة وبين تحقيق خلافته الآدمية في الكون". والخطورة أنّ إسرائيل كحل للمشكلة اليهودية جاءت لتحد وتعطل من إمكانية تفكيك الإشكالية الإسلامية وتطبيق معادلتها سياسياً وحضارياً. ولا تقل خطورة أنّ عملية تفكيك الإشكالية على ضوء المنظور الإسلامي، يواجهها إشكالية إنسانية هي المشكلة اليهودية. ولكنّ الحركة الصهيونية كمنظومة استعمارية وحركة عنصرية، لم تأخذ بحساباتها -ليس فقط لاإنسانية الحل بالنسبة لأهل الأرض والمكان- بل أيضاً تداعيات "الحل" وتبعاته على المشكلة اليهودية: عولمة الكراهية لليهود، وتكريس الخوف الوجودي لدى اليهودي، وحصر اليهود في حيز جغرافي يهدد وجودهم، ونزع شرعية المشكلة اليهودية وجودياً من الضمير الإنساني العالمي. وجميع هذه التداعيات تتمحور حول: المكان والزمان وعولمة (الحل)الصراع.
الحركة الإسلامية وإشكاليّتها الكونية!
إنّ الوجود اليهودي في الواقع الإسلامي منذ قرون لم يصطدم مع إشكالية الإنسان التي وضعها الإسلام. فلا يمكننا الحديث عن تهديد وجودي لليهود بين المسلمين. بينما كان اليهود -في أوروبا والغرب بشكل عام- يعانون من التهديد النفسي والديني والثقافي والسياسي.. وما المحرقة (Holocaust ) خلال الحرب العالمية الثانية إلا تعبيراً عن تاريخ حافل بالتصفيات الوجودية واحتقاراً لإنسانية الإنسان وخاصة اليهودي. ولكن برغم نزعنا للقداسة لم نشهد ظواهر شبيهة أو تقترب في الحالة الإسلامية.
الإشكالية التي طرحها الإسلام هي إشكالية يتبناها المسلم متى أعلن إنتماءه لهذا الدين.. وهي إشكالية داخلية عند المسلمين. في هذا السياق جاءت الحركة الإسلامية لتقوم بدور تفكيك الإشكالية فتطالب وتعمل -بُعيد انهيار الخلافة العثمانية- لاستعادة هوية الأمة -عبودية الإنسان والمجتمع لخالقه- واسترجاع الخلافة لتحقق للمسلمين وجودهم المعاصر. أما المشكلة اليهودية وإسرائيل فهي إشكالية خارجية (سياسياً)، ولكنها تضع بين يدي الحركة الإسلامية مشكلة داخلية (إنسانياً). وعملية خلق التوازن بين السياسي والإنساني، بين تحقيق الخلافة وبين تحقيق العبودية[4] هي لب إشكالية الإنسان التي تبنتها الحركة الإسلامية منذ يومها الأول. فإذا تنكرت لذلك فقد تنكرت لعلة وجودها ووظيفتها الأساسية. وإذا عجزت عن مواجهة الإشكالية ثم تفكيكها، فقد نكصت وحتماً تستبدل بغيرها ولا يضر الله شيئاً.
وهذه إشكالية كونية تواجهها الحركة الإسلامية، ولكننا نشهد واقعياً- أنها إما تتهرب من مواجهة إشكاليتها - التي فرضها عليها انتماءها الإسلامي - عن طريق الاختباء وراء خطاب إنشائي ميتافيزيقي متخبط. وإما تنخرط في حلول وضعية إستسلامية قد تركها أصحابها ولم تعد ذات جدوى سياسياً وإعلامياً. ولو أني لست من فريق مخاطبة الداخل اليهودي أو المتحمس له.. ولكن هذا لا يمنع الحركة الإسلامية من نزع بساط الحل الافتراضي من تحت "أقدام" الحركة الصهيونية. الحركة التي أقنعت اليهود بضرورة دولة مستقلة في فلسطين كي تحل الإشكالية اليهودية وتحقق لهم وجودهم الإنساني والسياسي. ولكنها لم تزدهم إلا خسارا.

القدس
13\12\2008
==================
[1] لتوضيح المصطلح نستعمل صيغة "نفرض أنّ".. على سبيل المثال: نفرض أنه توفر للحركة الصهيونية احتمالات تطبيق حلها في أوغندة وليس في فلسطين!! لو فرضنا أنّ واقع فلسطين عام 1948 كان مختلفاً.. أين يمكن للصهيونية تطبيق مخططاتها؟! وهل جغرافيا معينة ذات أهمية في حال استحالة الحل في فلسطين؟! ومطلق التطبيق هو توفر عامل المكان والزمان مطلقاً دون البحث عن تبريرات دينية توراتية أو تاريخية ميتافيزيقية.
[2] ممكن أن تكون عملية بومباي الأخيرة ضد اليهود (والأجانب) مثال ساطع لعولمة المشكلة اليهودية.. حتى يغدو اليهودي لا يشعر بالآمان في أيّ مكان أو حيز جغرافيِّ على وجه الأرض.. وهناك الجوانب النفسية والثقافية والسياسية والدبلوماسية وغيرها التي تعمق مشكلة اليهود عالمياً.. وليس فقط العمليات الميدانية القاسية.
[3] الأنسنة (Humanism) الفلسفة ذات الأصل الغربي والتي تضع الإنسان في المركز.. ولكن الإسلام بنظري يضع إشكالية الإنسان في المركز. والخطأ الفادح أنّ فلاسفة الأنسنة وحتى تلاميذهم الأشقياء من عرب ومسلمين (محمد أركون كنموذج) صنفوا الأديان ومن بينهم الإسلام أنه يضع الله في المركز.. تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً .. فهو غني عن التمركز والتمحور مادياً ومعنوياً في منظورنا البشري فهو العلي المتعال . ولكن وإن فهم المسلمون دينهم بهذا الشكل المخطأ مما سمح للمستغرب بتفسير الإسلام كما علّمه أساتذته في مؤسسات الغرب العلمية .. لكننا نأخذ المفهوم والمضمون من كلام الله ذاته ومن حديث رسوله الكريم وليس من فهم الناس لمصدري التشريع. ولكن ليس هنا مقام التفصيل كيف أنّ آيات القرآن تضع إشكالية الإنسان الوجودية هي المركز لأنّ التكليف واقع عليه حتى يخلص من إشكاليته(فقط بانقضاء أجله-الموت).. وهذا مقصد التكليف. وبهذا التمركز لإشكالية الإنسان يرتبط تكريمه ("ولقد كرمنا بني آدم..") الفطري الأصولي.
[4] العبودية للخالق وما يتعلق بها شكلاً ومضموناً من قضايا التوحيد والعدل والتكريم والسماحة والحكمة والوسطية.. إلخ من معاني الإسلام ومفاهيمه الإنسانية.

الخميس، 27 نوفمبر 2008

قول في الحرية والسعادة وما بينهما

بقلم: أسامة عباس
أو.. حتى يصير الجانب الروحاني واقعاً إجتماعياً !!

إنَّ أشد ما ابتليت به الإنسانية في العصر الحديث وبالأخص بعد هيمنة المادية الغربية على الحياة بكل تفصيلاتها وكلياتها.. هي القطيعة المعنوية والواقعية بين الروح والمادة.. بين المعاني الإنسانية لآدم وبين وظيفته كخليفة في الأرض...
فلم يلبث جون بول سارتر[1] أكثر من نصف قرن بعد اعلان الفيلسوف الألماني نيتشة عن "موت الآلهة".. إلا وقد نطقها- وكأن يد التاريخ الخفية تخط صيرورة هذا الإنسان- معلناً عن "موت الإنسان". هذه العلاقة الحتمية بين الألهة والإنسان في الخط الفلسفي أو في الحياة إطلاقاً.. يدفعنا بدون تردد لربط الحرية بالسعادة.. ولكن يمكن تعقل هذه العلاقة في سياقها الغربي الأوروبي!! ويمكن تفهم ما الذي أوصلها لهذه الصيغة الفلسفية والحياتية دون غيرها!! وبالمقابل ما السعادة وما الحرية وما بينهما في وجودنا وسياقنا الإسلامي؟!!

عندما صرخ نيتشة بموت الإله.. لم يصرخ من فراغ! بل جاءت صرخته بعد قرون من الصمت الغربي تحت هيمنة الكنيسة على الإنسان ومقوماته وكرامته الفطرية. فقد مثلت الكنيسة -كما آمن بذلك ءاباء الكنيسة أنفسهم- عبر العصور، سلطة الله على الأرض.. وكان البابا ظل الله على الأرض، فهو الحكم الفصل في تحديد إرادة الله في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والحرب والسلم. فالحروب الصليبية -كما أطلق عليها قادة الكنيسة- هي إرادة الله في تحرير الأرض المقدسة وتطهير العالم من الكفار والمرتدين. ومن بعدها محاكم التفتيش عبرت عن تطهير الكنيسة والمسيحية وأوروبا الكنسية من المشعوذين والفسقة والكفار من يهود ومسلمين ومسيحين... فقد كانت الكنيسة رمزاً للإله الظالم والمستبد والمتخلف والظلامي والجاهل ... وأسماءه وصفاته السيئة.
وحين سنحت الفرصة للعقل والروح الغربية التحرر من هذا الإله.. لم يتردد في إعلان وفاته بل صلبه ثم قتله.. وحمله في جنازة مهيبة تابوتها عقلانية مُنتقِمة، انتظرت قروناً عديدة تكفين جسدٍ مريض حبسها في ظلمات من فوقها ظلمات. هكذا في سياق تاريخي وسناريو تراجيدي انطوت صفحة الروح والمعاني في حضارة الغرب ليحل مكانها العقل بتجلياته "العقلانية".. معبراً عن حضور المادية وهيمنتها على الفكر والعلم والمنطق. فلم تكن نتيجة هذه الهيمنة إلا موت الإنسان .. الإنسان المعنى والروح.
إنّ الإشكالية وقعت عندما استطاع إنسان اللامعنى أن يستحدث حضارة متقدمة علمياً وتقنياً، وقد ابتدع فنوناً جمالية ومعارف إنسانية في النفس والاجتماع والكون، اجتمعت جميعها لتشكل أسلوبَ حياةٍ بديلٍ للغرب المتخلف قروناً طويلة. في هذه اللحظة التاريخية، وقف المسلم حائراً ينظر لذاته المتخلفة تارةً .. ويتطلع للغربي المتقدم تارةً آخرى، يكبله ماضٍ ذهبي.. ويشده حاضرٌ تعيسٌ.. في ازدواجية نفسية وثقافية تسري به روح سماوية قروناً.. ومادة ترابية تأكل من جسده حالياً.
هذه الازدواجية بين حرية الروح وجبرية المادة والواقع، دفعت المسلم للتعلق بحضارة الغرب، والتسول على باب فلسفاتها.. فحين انكشف[2] على مفاهيم الغرب كالحرية والعقلانية والتقدم والحداثة وغيرها.. استحوذت عليه وسلبته من روحه الأصيلة مبررة ذلك بواقعه المستحيل إنسانياً. ولو أنه كان سعيداً بواقعه ما اصتدم مع ذاته وروحه.. وما اختار أن يشريها[3] ابتغاء سعادة وهمية.. وعد نفسه أو وعدوه بتحقيقها إذا تبنى حرية الغرب بكلياتها العقلانية والحداثية وما بعد حداثية.
السعادة بالنسبة لي هي انسجام بين الروح والمادة، بين الذات والواقع.. بين حقيقة الآخرة والحياة الدنيا.. ولا ريب أنها أسلوب حياة في التفكير والسلوك وما بينهما… ولكن الأمر ليس نظرياً في كتاب مبين.. فعليَّ كمسلم أنّ أبدل جانبي الروحاني لواقع اجتماعي.. كي يبرر هذا الواقع الحقيقة القرآنية وصلاحيّتها.. أمّا إذا تمسكت بها بوضعها في صندوق مجوهرات وأحكم اغلاقه.. فحتماً سأخلع عني روحي الأصيلة موليَّاً قبلتي نحو سرابٍ خادع وشطر غربٍ غارقٍ.. لا يزيدني إلا شقاءاً وخلوداً في جبرية واقعية.. لا تحقق لي معاني الخلافة الذاتية والجماعية.
معاني الخلافة هي معاني السعادة والحرية.. ولكن من يكتشف هذه المعاني!؟! .. ومن يستشعرها!؟!
[1] فيلسوف وروائي مسرحي فرنسي (1905-1980) .. برز كأحد أكبر القلاسفة الوجوديين المعاصرين (الفلسفة الوجودية).
[2] متى انكشف المسلم على حضارة الغرب؟ سؤال عميق وكبير.. ولكن على الأقل يبدأ بعض المؤرخين بالحملة الفرنسية على مصر.
[3] يبيعها حسب التعبير القرآني.