الخميس، 23 يوليو 2009

الثلاثاء، 21 يوليو 2009

سقوط الإسلام وتهافت الحل الإسلامي !! والخيار الليبرالي

بقلم:- أسامة عباس
تتردد مؤخراً في وسائل إعلام عربية وأدبيات سياسية وفكرية مقولة “سقوط شعار" الإسلام هو الحل، بعد حقبة من هيمنته على أوساط شعبية ونخبوية. فقد ظهر الشعار الذي تبناه التيار الإسلامي العام بشتى تصنيفاته ومشاربه، منذ عقود مديدة، وخاصة أولى الحركات، حركة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها في مصر عام 1928. وقد ارتبط ظهور حركة الإخوان المسلمين بسقوط "الخلافة" رسمياً عام 1925 ، والتي تمثلت في الدولة العثمانية آخر دولة تسعى -ولو نظرياً- لاستيعاب كافة المسلمين كجزء من طبيعة الدولة وهويتها الإسلامية. وهذا الربط التاريخي بين ظهور الحركات الإسلامية وسقوط دولة الخلافة.. تمثل العلاقة الوثيقة بين فكرة وهدف استعادة "الخلافة" وبين العمل الحركي الإسلامي بمستوياته المتعددة، تربوياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً. وإن تعددت طرائق العمل لتحقيق هذا الهدف، فإن كافة الحركات والتنظيمات الإسلامية، تنادي للخلافة الإسلامية جهراً كان أو سراً.

وغالباً ما ارتبطت مقولة "الإسلام هو الحل" بالغاية المنشودة في تحقيق الخلافة الإسلامية، التي توحد المسلمين تحت نظام حكم واحد. نظام حكم يسعى أو ينادي بتطبيق الإسلام عقيدة وشرعة في واقع المسلمين، إيماناً من الإسلاميين بأنّ الخلافة تطرح حلولاً لكافة مشاكل المسلم المعاصر. فلا شك أنّ هذا الشعار، بات يميز الحركات الإسلامية، وبالذات حركة الإخوان المسلمين ذات الإنتشار الواسع في العالم العربي. والحقيقة أنّه رغم وجود معارضة أيديولوجية للتيار الإسلامي، منذ ظهوره وهيمنته على الرأي العام العربي والإسلامي.. إلا أنّ مقولة "سقوط الحل الإسلامي" كادت تكون معدومة.. إنّما كانت المعارضة تتمحور حول طبيعة المقولة ذاتها وأفكار وسلوكيات أصحابها.
والإشكالية المهمة في مقالتنا هذه : متى يفقد الشعار بريقه وسحره..؟ ومتى يظهر صوت يعلن وفاة الشعار والمشروع؟ وما حقيقة هذا الصوت؟ وماذا يترتب على مجرد ظهوره؟ وما مدى مصداقيته نظرياً وعملياً؟.
طالما أثارتني فكرة سقوط الشعارات والأيديولجيات والأساطير السياسية والثقافية ! فمهما اختلفت طبيعة الشعارات وارتباطاتها دينياً أو علمانياً .. فإنّه تكاد تهيمنُ عليها سننٌ ونواميسٌ، ترسم صيرورة بزوغ الشعارات والأساطير وانهيارها، مروراً ببلوغها أوجها في عصرها الذهبي!. ففي السياق ذاته، نذكر مقولة "سقوط القومية العربية" <1> وإعلان وفاتها بُعيد هزيمة عام 1967، وأفول شعارات وحلول إشتراكية قومية في العالم العربي.. فهل هذا ما يحدث الآن مع "الحل الإسلامي"؟ وهل مصيرُه مستقبلاً، سقوطُه حتماً؟!!
إنّ حركة التاريخ حتماً تقهر الأفراد، الفقراء منهم والمساكين والمستضعفين من الناس، وتغيّبهم في هوامش التاريخ. إنّما أكثر من ذلك، تتجاوز الجماعات والتيارات والأحزاب وتجعلها جميعاً نسيّاً منسياً.. بل إنّّ دولاً وإمبراطوريات عظيمة اندثرت وأصبحت حبراً في سجلات التأريخ وكتب الدراسة وقصص الذاكرة.

بعيداً عن التوظيفات الأيديولوجية الليبرالية لمقولة سقوط المشروع الإسلامي.. فهذا لا يمنعنا من تتبع قهر التاريخ وحركته لأي مشروع وشعار، حتى وإن ارتبط بالإسلام. بل أكثر من ذلك، فإن المشروع الإسلامي نفسه، خاضعاً لهذه النواميس التاريخية، وهو معرضٌ كغيره لدخول الذاكرة، منطويةً به صفحة آخرى من التاريخ الإنساني. وما عشرات المذاهب الفقهية والتيارات الإصلاحية، إلا دليلاً ساطعاً على استسلام التراث الإسلامي برمته لنواميس القهر والطيّ. وهل دامت الخلافة الراشدة أكثر من بضع عشرات السنين، كي تدوم تجارب إسلاميّة معاصرة "وغير معاصرة" ! ؟ . أم دامت حضارة الأندلس في أوجها لأكثر من قرن أو نصف قرن؟!. وهل سيقف المشروع الإسلامي المعاصر في وجه القهر التاريخي؟ بل هل سيحقق ذاته بدايةً، كي يثبت ذاته في واقع التاريخ وحركته؟!

يصطف ليبراليون عرب في هذه الأيام، خلف توظيف هذه المقولة، ولا شك أنهم يسعون لتصفية حسابات سياسية وثقافية، مع تيار ينافسهم على روح الأمة وهويتها ومشروعها. وبعض الليبراليين يتربصون عند كل حدث يهز كيان "المشروع الإسلامي"، بغض النظر عن كونه وهماً أم حقيقة. فتعليقاً على حصول حزب الله اللبناني على عدد مقاعد أقل في الإنتخابات السابقة، ومن قبله إسلاميو الكويت والأردن والمغرب ومصر، والأحداث الأخيرة التي تمخضت عنها الإنتخابات الإيرانية .. يُرجع هؤلاء أسباب هذا التراجع لسقوط المشروع الإسلامي، وعلى أقل تقدير، كشف الغطاء عن سحر شعار "الإسلام هو الحل" ونزع القداسة التي ألصقها "الإسلامويون" على مشروعهم السياسي، الذي لا يتعدى كونه استغلالاً للدين وسعياً وراء مصالح سياسية .. وتقديس المدنس وتدنيس المقدس!!.

فحقيقة أنّ هذه المقولة لا تحتل حيزاً معقولاً، على مستوى الرأي العام العربي والإسلامي- وهي تسقط عملياً في لحظة تحليلنا للأحداث الموضوعية وربطها مع سياقاتها العامة سياسياً وثقافياً في العالم الإسلامي.. وخاصة في بؤرة الأحداث على محور طهران-القاهرة مروراً بأنقرة- فلسنا بحاجة للتحليل النفسي والثقافي لمن يتبنى هذه المقولة .. ولا لخلفيّته السياسية والإقتصادية، حتى ننزع اللثام عن مبررات ظهور هذه المقولة. رغم كل ذلك، فإنّ أمام التيار الإسلامي والحركات الإسلامية تحديّان استراتيجيّان.. أمّا الأول ممكن أنّه تجاوزه أو لنقل تجاوز مرحلة الخطر فيه. وأما التحدي الثاني فإنّه يفرض نفسه بشدة على المشروع الإسلامي، خاصة السنوات القليلة الماضية وفي المرحلة القادمة.

تحدي الهوية . . وسقوط التبعية

بعد عقود من ظهور التيار الإسلامي، وفرضه لأجندة جديدة ومغايرة.. وأحياناً مناقضة لتيارات وتوجهات على الساحة الثقافية والسياسية للواقع العربي والإسلامي.. استطاع أن "يفرض" رؤية جديدة للهوية العربية والإسلامية، قوامها أنها ترتكز على الإسلام كمرجعية أساسية لواقع المسلم ورؤيته للحياة والعالم.. بدل مرجعيات آخرى تبنتها نخب ثقافية مسلمة وعربية، واستلهمتها من الثقافة الغربية.

"تحدي الهوية" -كما نطلق عليه- هو الذي تجاوزه التيار الإسلامي، ومنع صيرورات وسناريوهات متعددة في تغريب الإنسان والأمة، وطمس هوية أصيلة في ذاتها. لقد أوقف التيار الإسلامي الحركي، حركة التبعية السياسية والثقافية للغرب، والتي بدأت منذ بدايات الإستعمار الفرنسي للجزائر عام 1830 والإستعمار البريطاني لمصر منذ عام 1882، وقبله من خلال الامتيازات التي فرضها الغرب على الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر. امتيازات تلخصت في تحقيق مصالح سياسية واقتصادية وثقافية للدول الغربية المهيمنة. ولكن حين تصادمت مصالح الغرب الإقتصادية مع ادعاءاته الثقافية - بتحرير الشرقيين من "تخلفهم الثقافي والأخلاقي"- لم يضع قيمه الأخلاقية والثقافية في سلم أولوياته <2>، فكُشف زيف ادعاءاته وتعرت حقيقة القيم التي تبنتها نخب عربية ومسلمة مسلوبة الهوية.
إن التحول النوعي والجذري الذي أحدثه التيار الإسلامي في مجال الهوية.. هو في حقيقته تحول على مستوى الأمة نظرياً وعملياً، أدى إلى قطيعة فكرية مع قرونٍ اقنع المسلمون أنفسهم –فقهاءاً ودونهم- بغلق باب الاجتهاد. وذلك بعد أن فقد الفقه الإسلامي قروناً، تفاعله مع الفكر والواقع على حدٍ سواء. فقديماً تمحورت حركات الإصلاح حول مذهبٍ أو اجتهاد فقهي.. واقتصرت دعوة الإصلاح على جزئية إمّا سياسية أو فقهية أو اجتماعية، ولم ترتبط هذه الدعوات -غالباً- بكليات عقائدية وتشريعية، تتسم بالتناسق والمنهجية الفكرية والمعرفية، والتأثير الواقعي المستديم.
لقد تبنى التيار الإسلامي وخاصة الحركي منه.. منهجاً مغايراً لدعوات الإصلاح قديماً، متجاوزاً الاجتهادات الشخصية، الفقهية والمذهبية، وإن اعتمد في جزئياته على الفقه القديم في أمور العقائد والعبادات. وربط كليات الإسلام العقائدية والتشريعية مع تحديات الهوية، في قضايا الاستقلال والاستغراب والتبعية والصراع الفكري والثقافي داخلياً وخارجياً. وقد استطاع التيار الإسلامي نقل هذه القضايا، وغيرها كثير، لمجال الهوية وتحويلها لمسلمات ايديولوجية، لا يمكن تجاوزها البتة. وما حركات المقاومة الإسلامية، إلا تعبيراً واحداً حقيقياً عن هذه الهوية ومسلماتها. ولكن مسلمات الهوية لا تقتصر فقط على مجال المقاومة العسكرية. فحركات إسلامية كثيرة، تتحرك في فضاء آخر غير عسكري، منه الثقافي والسياسي والاجتماعي والأكاديمي. ولكنّها جميعها، تستمد هويتها وتطرحها للمجتمع والأمة من خلال مسلماتها.
ولا يخفى - إلا على جاهل أو مكابر- هيمنة التيار الإسلامي على خطاب الهوية في العالم العربي والإسلامي.. ممّا يدحض مقولة السقوط، على الأقل في مجال الهوية ومتعلقاتها. ولعل ما يقلق الليبراليين العرب، ويسعون لاسقاطه، هو مفهوم الهوية ومسلماتها العقائدية والتشريعية والسياسية، لأنه يقف حاجزاً بينهم وبين مصالحهم السياسية والثقافية في المجتمعات العربية والإسلامية. ولهذا لا يتورعون عن ربط مصالحهم وروءاهم، بالأنظمة الحاكمة والنخب السياسية التي تهيمن على ثروات وثورات الأمة.
وقد أستحدثت مفهومين لفهم الحالة الإسلامية وتطور هويتها:
المفهوم الأول: التمحور- عند دراسة ادبيات بعض الرواد الإسلاميين، نجد الطابع المهيمن عليها هو تكثيف الذات, بمعنى تسليط الضوء على مكونات الذات ومميزاتها. ففي هذه الحالة من الطبيعي أن يُهمش الآخر العقائدي أو الثقافي, وتنتزع الذات من سياقاتها وتحدد علاقاتها وارتباطاتها مع الآخر المغاير. هذا النوع من التمحور حول الذات، يعود وجوده للمركبات الشخصية للكاتب أو المفكر أو القائد.. ويرتبط بواقعه الموضوعي السياسي والثقافي الذي ينتمي له.
المفهوم الثاني: التحاور- في هذه الحالة يتم توسيع الذات وبناء ارتباطاتها مع العالم المحيط لها والآخر الإنساني. بدل التمحور حول الذات وخصائصها.. يرتكز هذا النوع ببناء وتحليل منظومة العلاقات بين الذات والآخر محاولاً مد جسور التلاقي. في هذه الحالة يغلب على الكاتب أو المفكر أو القائد أسلوب ومنهجية الحوار مع الذات (الأنا و النحن) فيما بينهم، وبين الآخر (هم) من جهة آخرى.
مرحلة تمحور الأمة حول ذاتها وتكريس الهوية الذاتية.. ضرورية للحفاظ على وجودها التاريخي (أياً كانت).. وعدم اندثارها بين الأمم.. وخاصة إذا تعرضت لهجوم عسكري وثقافي، كما تتعرض له الأمة الإسلامية ومجتمعاتها منذ بدايات الإستعمار الغربي. ولكن مرحلة التمحور هي مرحلة مؤقتة، حتى تستعيد الأمة شخصيتها وثقتها في ذاتها وهويتها ، ومن ثم تنتقل للمرحلة التالية، متجاوزة مرحلة الخطر وامكانية استلابها ثقافياً، وتكريس تبعيتها للآخر.
ممكن في هذا السياق فهم جدلية التشدد والتطرف في مقابل التبعية والاستلاب في مرحلة ما من تاريخ الأمة!.
لقد ظهرت بعض الأصوات قبل انهيار النظام العثماني، يدعو المسلمين لاصلاح أوضاعهم، والنهوض مجدداً بأمور دينهم وتجديد حياتهم المعنوية والمادية على ضوء القرآن والسنة المطهرة. ولكن لم تصل هذه الدعوات إلى مستوى التشكل والتنظم السياسي والجماعي. كانت نقطة التحول في التحرك من أجل إعادة الحياة الإسلامية- وخلافة تجمع المسلمين كافة، وتعبر عن عقيدتهم ومناهجهم ورغباتهم السياسية والاقتصادية والأخلاقية- حين أعلن المؤسس، حسن البنا، تكوين جماعة الإخوان المسلمين في مصر. كانت جماعة الإخوان أول تنظيم جماعي جدي، يحدث تغييراً في البنى الفكرية والاجتماعية والسياسية، ويوجه نحو أهداف ومشاريع تتبنى طروحات إسلامية.
لا شك أنّ هذا التحرك المنظم، رغم محدودياته البشرية. إلا أنّ الحقيقة التاريخية، تحتم علينا الاعتراف بهذه التجربة على أنها جديدة وخلاقة في مستوياتها الفكرية والسياسية في التاريخ العربي والإسلامي.. ولها الفضل ومن تبعها من تيارات وحركات إسلامية في مواجهة تحدي الهوية والذات.. ثَمَّ سقوط التبعية.

التحدي المدني . . وتكريس المشروع
ولعل تحدي الهوية وتجاوزه، لا يكفي لأن يحقق التيار الإسلامي وجوده ومقاصده. فلا بد للهوية من صور واقعية تعكس صلاحيّتها وأحقيتها في الهيمنة على الأمة والدولة. وهذا ما نصفه بالتحدي المدني (أزدواجيّ المعنى). بالمعنى الأول، نقصد به تحويل الهوية ومسلماتها لواقع يلمسه الناس..ولمشاريع عملية تصب في مصالح الناس الدنيوية، وليس اكتفاءاً بأسر عاطفة الأوساط الشعبية بشعارات ومقولات عامة.
ولعل هذا الانسجام بين الهوية والتحدي المدني ومستلزماته، يضمن اللتفاف الجمهور حول المشروع الإسلامي، وضمان تمكينه وعدم سقوطه. ولعل هذه الحقيقة الناموسية تنطبق على المعنى الآخر للتحدي المدني، تعبيراً عن مرحلة المدنية (المدينة) للرسالة المحمدية.
فحتى هذه الرسالة السماوية لم تحيد عن منطق التاريخ والانسجام مع حركة التاريخ.. فبعد تكريس الهوية ومسلماتها في مكة.. بدأت التشريعات في المدينة تلبي حاجيات الناس الدنيوية. هكذا ارتبطت مصالح الناس الاقتصادية والسياسية، مع الهوية الجديدة ومستقبلها المعنوي، العقائدي والثقافي.
مسوغات التحدي المدني:
- ما يطلق عليه المشروع الإسلامي أو الحل الإسلامي، بات يميز الحركات الإسلامية.. فمن المنطق أن لا تصف الليبرالية نفسها بالصفة ذاتها، محاولة للتمويه، وكسب تأييد شعبي - فقدته نتيجة قطيعتها عن هوية الأمة- وتغطية حقيقة مشروعها الثقافي والسياسي.

- الإسلام بالنسبة لهم لا يتعدى كونه نظاماً أخلاقياً (Ethics) أو احدى المنظومات الأخلاقية التي يمكنها -في أحسن الأحوال- أن تغني العلاقات الأخلاقية بين الناس، وتحدد قواعد أخلاقية وسلوكية في مجالات حياتهم الشخصية. هكذا يتم خصخصة الأخلاق والقيم، وتكريس نسبيتها في عالم متغير متسارع، يتحكم فيه نخب ثقافية واقتصادية وسياسية، ترتبط مصالحها تلقائياً، فتصبح بين عشية وضحاها مصدر التشريع والتقنين، فيبزغ فجر دين جديد لا يتعدى كونه "ليبرالية السوق" .
- الليبرالية العربية لا تطرح بديلاً لتفكك الكيانات الكبرى الإسلامية أو القومية العربية. فهي تكتفي بالتنظير في قضايا تتعلق بالحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تختزل الوجود وتغقل السياق التاريخي المعاصر، الذي يحتم على الدول القطرية التأطر ضمن كياتات كبرى سياسية و\أو اقتصادية، تضع هذه الدول في واجهة التحدي السياسي والاقتصادي في ظل عولمة، لا حيز فيها لصغيرٍ ساذجٍ.
- من الملفت محاولتهم اقناعنا والرأي العام، بتناقض المصلحة القطرية للدول من حيث التقدم الاقتصادي والثقافي والسياسي، وبين الدعوة لوحدة كيانية عالمية، تسعى لنظام متكامل اقتصادياً وثقافياً وسياسياً.. يكون فيه حيز للجميع تحت مظلة الهوية الإسلامية.

ملخص القول !

إنّ الهوية التي تسعى إليها الليبرالية العربية، ما ظهر منها وما بطن، هي هوية تتوافق مع مصالحهم السياسية والثقافية، وغالباً ما تنسجم مع الأنظمة العربية الحاكمة، وما يقف أمامها لتحقيقها وتسويقها نخبوياً وشعبوياً، هو نقيضها، أي هوية الأمة وتكريسها عقائدياً وتشريعياً وثقافياً. والآخرى قد تجاوزت، نوعاً ما، مرحلة التمحور حول ذاتها، وارتباكها وخوفها من ذاتها والآخر. ولكنّها بحاجة لتطوير أجندات اقتصادية وسياسية وثقافية، لربط هويتها الذاتية مع مصالح الناس اليومية والاستراتيجية.. وفتح هويتها للحوار الداخلي البناء، ثقة منها برصانة هذه الهوية ورسوخها في نفوس وقلوب أبناءها.. وانفتاحها على الإنسانية، وحسها المرهف بهمومها الأخلاقية والسياسية والاقتصادية…
هكذا تُمكن الرموز والشعارات والمشاريع... وإلا سقطت وتهافتت .. حتى يأذن الله بأمر آخر

----------------------

[1] Fuoad Ajami: “ The End of Pan- Arabism” - http://www.foreignaffairs.com/articles/30269/fouad-ajami/the-end-of-pan-arabism [2] هذا التناقض بين مصالحه الإقتصادية وادعاءاته التقافية وترجيحه للأولى.. يظهر من خلال المفاوضات الفرنسية الجزائرية قبيل الاستقلال الجزائري وبعيد الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي العسكري والثقافي.

الأحد، 19 يوليو 2009

حوار مع...

السلام على محمد وعلى الرسل جميعاً موسى وعيسى

أما بعد،
يا نير !
دعنا بداية نستوضح المفاهيم فهذا شرط ضروري، كي يفهم الواحد منا الآخر، ونصل للغة متفق عليها. ذكرت في سؤالك الجدلي -الذي لا ينم عن عقيدة سليمة في الذات اللإلهية وحكمتها وعدلها المطلق!- عدة مصطلحات ومفاهيم، أدرجها مؤقتاً كي أوضحها لك لاحقاً من منطلق مفهومنا الإسلامي لها- بما فتح الله عليّ من المعرفة- ألا وهي:
القدس\التوراة\القران\تاريخنا\انتم\ ارض اسرائيل\فلسطين.
ولكن بداية لنحدد قاعدة نقاشنا.. ونسأل السؤال: هل منطلق حوارك معي أساسه قومي أم عقائدي أيماني؟
إن كان دينياً، وجئت لتثبت حقك الديني العقائدي على المكان والزمان.. فلا بد لك من نفي الأساس القومي! وإلا وقعت في رؤية عنصرية للكون والحياة والإنسان.. وكرست عقيدة دينية عنصرية تدعي ارتباطها وأصلها الغيبي اللإلهي.. والله من عقيدة كهذه منزه سبحانه.. فلا يعقل منطقاً وعقلاً، نصاً ونقلاً أن يعطي إله عادل حكيم -مطلق الصفات والأسماء- حقاً لغير أهله.. فما بالك أن يقضي بهذا الحق أزلياً وأبدياً لقوم من الأقوام، مهما تقلبت عليهم الأحوال والمقامات: من عقائد دينية وعادات اجتماعية وسلوكيات أخلاقية وقيم إنسانية... بهذه الحالة لا يكون إلا إلهاً عنصرياً، لا يخرج عن كونه قائداً سياسياً قومياً، مثل هتلر، الذي ادعى حقه الآري على المكان والزمان.. ولا يمكن لقوم عبادة إله كهذا، إلا أن يكون القوم على شاكلته العنصرية، من كراهية للآخر وانطواء على ذاته القومجية.
ولكن إشكاليتك لا تتوقف عند ذلك.. فحتى لو تبنيت القومجية في تكريس حقك الأسطوري، فلن تفلح في سلب هوية الأرض.. ولن يكفيك تشويه معلم من معالم المكان قبراً كان أو حجراً ينطق العربية.. لتقنع نفسك -وهذا أنجاز- بجذورك التوراتية العميقة الممتدة.
ففي الحالتين... لن تفلح في سرقة الاعتراف!! وستخرج بكفي حُنين! لا وطنا ولا ديناً
فحاول إذاً، أن تتجرد من مفهوم "تاريخنا" .. فإذا كان تاريخك على أساس قومجي.. فأنت لست أحق من أهل المكان الأصليين بإبراهيم .. وإسحاق ويعقوب ويوسف وسليمان وداوود وحتى موسى... وفي هذه الحالة تنتفي الصفة الدينية العقائدية عنك وعن أهل المكان أيضاً. وإن كان تاريخك على أساس عقائدي ديني.. فلست أحق منا بإبراهيم وذريته.
ثانياً، أنا لا أضع مفاهيماً عنصرية مقابل مفاهيم أكثر عنصرية كما تفعل أنت ويفعل قومك!!. فلا أضع مفهوم أنتم مقابل نحن.! من "أنتم" ومن "نحن"؟. أنا أضع التاريخ الممتد من آدم حتى محمد مرورا بابراهيم وعيسى وموسى.. مقابل التاريخ العنصري الذي يدعي أحقيته وملكيته الجينية على الأنبياء والمرسلين.
هذا مفهوم الإسلام للتاريخ البشري.. وليس مبنياً على رؤية عنصرية للإله والإنسان. فعندما أدعي أحقيتي على المكان والزمان، أدعيها من منطلق أيماني برسالة هؤلاء الكوكبة من البشر.. لذلك القرآن الذي ذكرته ربطني برسالة هؤلاء، وليس بذريتهم الجينية البيولوجية.. ربطني بعقيدة هؤلاء وليس بما ورثوه من صوامع وبيع وصلوات ومساجد. ولكني حين أتبع عقيدتهم فإن ما ورثوه ينتقل بناء على حكمة إللاهية، وعدل مطلق، وسنن ونواميس جعلها الله حي يحقق الإنسان معنى العبودية، ويمتلك حرية الأختيار بين الحق والباطل وبين أن يكون الإحتلال أو أن يكون التحرير. هذا معنى الحرية في مفهومنا الإسلامي!
ملخص ما قلته.. أنّ المفاهيم التي تستخدمها، وخاصة تلك التي تمت للمكان والزمان بصلة.. هي مفاهيم تتحدد وفق العقيدة التي يتبناها المسلم ويعتقد بها.. فإذا اعتقدنا بأن ابراهيم كان حنيفاً مسلماً.. وكذلك ذريته، التي أنعم الله عليها بالإيمان والإسلام فضل منه ومنة.. وليس لأنها من ذرية سيدنا إبراهيم أو إسحاق أو يعقوب (إسرائيل) أو موسى وغيرهم من أنبياء، أرسلوا في بني إسرائيل. فانظر معي وتأمل المنهج القرآني في تحديد الذرية الإيمانية، وليست الجينية التي تعتقدوا بها، تحريفاً للتوراة ولحقيقة العقيدة في الله، يقول رب موسى ومحمد في سورة البقرة ( وهي بقرتكم ولكن لا يسعني المجال هنا لبحث كافة مستويات فكر وسلوك وقيم بني إسرائيل ): { وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } .

فسؤال سيدنا ابراهيم الفطري،أن يجعل الله من ذريته ورثة لإمامته لم يتجاوز حد اللفظ ..حيث تجلى له الوحي ليقوّم عقيدته في الله.. ويجعل العقيدة مقياس ومناط التوريث وتحمل الأمانة وتلقي العهد.. فلا ينال الظالم عهد الله وميثاقه.. وإن كان ابن الأنبياء والرسل.. !! فكيف يورث الله بني إسرائيل الأرض توريثاً مطلقاً.. ولم يورث من هم خير منهم –ذرية ابراهيم- الأمانة والرسالة والعهد.. فما بالك أن يرثوا الأرض التي تنطق بالتوحيد قروناً، رغم فقرهم العقدي والقيمي والسلوكي.
لنحدد إذاً قواعد لا بد منها:
- لا تحدد قدسية المكان أو الزمان من أحقية الأباء على الأرض-إذا فرضنا هذا الحق- إنّما العقيدة التي تمنح لهذه الأرض قدسيتها. - انتماء المكان والزمان لا يحدده عدد المرات التي ذكرت في الكتاب.. إنّما من يحمل عقيدة التوحيد التي تنطق بها هذه الأرض. - وقد علمنا أن موسى ذكر في القران الكريم أكثر من محمد.. فهل نستقي من ذلك علو شأن موسى على محمد عليهما الصلاة والسلام... ولكننا" لا تفرق بين أحد من رسله".. إنّما كان حكمته هو تبيين العقيدة الحق.. وليس ذكر الأنبياء أو المكان أو الزمان لمجرد الذكر. - هذه إذاً طبيعة القرآن... إثبات العقيدة في الله ... وربط الرسالة الخالدة من لدن آدم حتى محمد.. وليس توريث المسلمين ما يستحقونه إذا فرطوا في العقيدة واتبعوا رهبانهم وأربابهم من دون الله.
لذلك.. حجتك بأن القدس ذكرت أو لم تذكر في القرآن الكريم، وذكرت مئات المرات في توراتك.. ينم عن جهل في حقيقة الألوهية والربوبية.. ويظهر حاجتك كيهودي أو إسرائيلي أو صهيوني (أو جميعها معاً) في إثبات ملكية المكان والزمان.. وشرعية وجودك في الأرض.. ولكني كمسلم ومن ثم كعربي يتبع العقيدة في الله، لا يحتاج لإثبات وجوده في الأرض، وشرعية وراثته للأرض المقدسة. هذه من الناحية العقائدية.
ومن الناحية النفسية-السياسية.. لم أشهد في التاريخ المعاصر لدول قومية .. بأن شعباً يبحث عن اعترافٍ بوجوده السياسي والثقافي في "أرضه" من شعوب آخرى. فلم نشهد ذلك عند الألمان.. أو الإنجليز... ممكن أن يختلفوا على مساحة معينة محددة، أمّا أنّ يبحثوا عن اعتراف وجودي فهذا فقط لديك ولدى قومك!!! فتفكر بحالك هداك الله!
والتوراة التي تؤمن بها.. تعبر عن تاريخك الفقير للحجة والبرهان.. فلذلك احتاج أباءك لتحريف التوراة وملئها بذكر القدس.. كي يبنوا أساطيرهم المحرفة.. ولكني كمسلم يكفيني وعد الله بوراثة الأرض المقدسة لمن اتقى.
فلو حقا ما ادعيت أن تاريخكم في القدس آلاف السنوات... فلماذا تحتاج لهذا الاعتراف؟! أنا أعترف أن تاريخنا الإسلامي المحمدي فقط (الحمد لله) منذ 1430 عام.. ولكن تاريخنا العقائدي متواصل منذ آدم... مروراً بإبراهيم وذريته الصالحة.. وسيدنا موسى ومشروعه في تحرير بني إسرائيل من العبودية، ليس فقط من فرعون مصر.. إنّما من فراعنة بني إسرائيل واستشرابهم للعجل، نتيجة لكراهيتهم لذواتهم وللإنسان وللأمم ولرسلهم.
وإذا اكتفينا فقط في التاريخ المحمدي الممتد من عام 610 ميلادي.. أو حتى منذ فتح القدس أيام الخليفة عمر بن الخطاب. فهذا يكفي لتثبيت أحقيتنا العقائدية على الأرض... فما بالك إذا أخذنا بالحسبان ماذا قدم المسلمون لهذه الأرض، من العمران والثقافة والفكر، والدفاع عنها في وجه الغزاة من المغول والصليبية والاستعمار. ومقارنة بسيطة بين تقطيعكم للأرض بواسطة جدار الفصل العنصري والبؤر الإستيطانية.. وبين فتح الأرض على مصراعيها وعمرانها على أيدي المسلمين.. فكم من الزمان تحتاجون لبناء مبنى كقبة الصخرة أو سور كسور سليمان القانوني.؟! أو قبب مملوكية ومآذن عثمانية!!؟ أم أنّ "آلاف السنين" لم تكفيكم لبناء هذا كله أو جزء بسيط منه؟! ولكنك أبداً لن ترث المكان الذي تعبّد به سليمان أو داوود! حتى إن وجد مادياً.. وهذا مستبعد علمياً.. فأهل التوحيد أولى به من أهل العنصرية متخفية في عقيدة لاهوتية.
إن الأرض تنطق بعقيدة التوحيد... والأرض لله يورثها من يشاء من عباده... وقد قال لكم يوم ضاقت عليكم الأرض بما رحبت وخذلتم موسى يوم أن حرركم.. "والعاقبة للمتقين".. فكيف تدعي الحق على الأرض وقد تجردت من التقوى والعدل وكل قيم الإنسان.
أسامة عباس بيت المقدس

السبت، 18 يوليو 2009

דיוקנו של הכובש

בעייתו האמיתית של הכובש עולה במישור אחר: לאחר שגילה את משמעות הכיבוש ונעשה מודע למצבו, למצב הנכבש וליחסיהם ההכרחיים, האם ישלים עמם? האם יתכחש לעצמו או שמא ישלים עם עצמו כמיוחס, ויאשר בכך את דלותו של הנכבש, הנגזרת באופן בלתי נמנע מזכויות היתר שלו? האם ישלים עם עצמו כעושק, ויאשר בכך את הדיכוי ואת אי-הצדק כלפי תושבה האמיתי של המושבה {הארץ}, הנגזרים מחירותו ומיוקרתו? האם ישלים לבסוף עם עצמו ככובש-אותו דימוי עצמי הממתין לו בפינה, שהוא כבר חש בהיווצרותו, בלחץ ראשית ההסתגלות לזכות היתר ולאי-הלגיטימיות, בלחץ מבטו הנוקב של הנעשק? האם יסתגל למצב הזה, למבט הזה ולהרשעתו העצמית, שבוא-תבוא?
(מתוך: אלבר ממי- דיוקנו של הכובש)