الأربعاء، 23 يونيو 2010

تركيا والأمة

تركيا والأمّة
المسلمات والتوقعات والتحديات

لم يكن الإسلاميون بالذات بحاجة حتى عقدٍ مضى لاقناع أنفسهم بانتماء الترك العميق والأصيل للإسلام عقيدة وحضارة، فهذه إحدى المسلمات الفطرية الفائقة –بعبارة ابن رشد- والقناعات العقدية والفكرية والسياسية المتأصلة في منهجهم الحركي. ولكنّ هذه المسلمات والقناعات وضعت تحت المجهر في عهد حزب العدالة والتنمية ، وقُدِر لها أن تُمحصَ تحت وطأة التحديات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة التي تعصف بتركيا وبالعالم العربي والإسلامي اليوم وغداً. ومع ذلك يُشهد لحزب العدالة والتنمية، استفراده النوعي بالتجربة السياسيّة التي اختارها لنفسه وفق السياق الداخلي التركي. ومعروف بديهياً أنّ بعظم المسلمات - فطرية كانت أم موضوعية- يرتفع سقف التوقعات من الدور التركي وقادته، وخطورة الأمر تكمن في مستوى التحديات التي تضعها القيادة التركية في برنامجها السياسيّ والاستراتيجي أو تلك التي تفرضها قوى خارجيّة – كإسرائيل - لا تريد للدور التركي أن يبلغ مداه الأقليمي والدولي، وخاصة أنّه لا بد لهذا الدور أن ينحاز لقضايا المنطقة الأصيلة.

وغالباً مع تُبنى سياسة "مواجهة التحديات" وفق التوقعات الذاتية لدى القيادة السياسية لدولة أو لأمة ما. ومن المؤكد تاريخيّاً أنّ دولةً أو أمّةً عظيمةً لا بد لها من مواجهة تحدياتها، وادراك دورها الحقيقيّ في جغرافيّتها السياسية والإقتصادية والثقافية. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين تركيا أردوغان وتركيا أتاتورك، بين تركيا لا تخرج من عباءة الأطلسي – حلف الناتو- بل واخنزلت ذاتها الحضارية والسياسية في مشروعٍ صهيونيٍّ، يقف قزماً أمام تاريخ تركيا الأصيل، وبين تركيا تعود لحيزها الجغرافيّ والتاريخيّ والسياسيّ لتبعث دوراً مُسلّماً به بين جيرانها، عرباً وفرساً وجميع الشعوب والدول العربية والإسلامية وعلى الصعيد الدولي.

إذاً حديثي هنا في المسلمات والتوقعات والتحديات التي ترسم لتركيا العدالة والتنمية المرحلة القادمة، وتعبر عن تحديات هذه الأمة ومسلماتها:
المسلمات الفطرية والموضوعية الفائقة:

- إن تركيا والترك جزءٌ لا يتجزء من الحيز الثقافي والجغرافيّ والسياسيّ والاقتصاديّ العربيّ والإسلاميّ.
- إن أيّ إرادة حرة لتركيا والترك ستعود بها إلى حيزها الأصيل، لأنّه هو خيارها الفطري والطبيعي والموضوعي.
- إنّ أيّ دور تاريخي وعظيم لتركيا والترك لا يتحقق إلا في سياقه العربي والإسلامي.
- إنّ حماية الدور التركي الأصيل وصونه داخلياً والدفاع عنه من التحديات والمخططات الخارجية لا يتم إلا في ظل توافق ودور عربي وإسلامي متكامل.
- إن الدور التركي هو تكاملي وضروري بجانب الأدوار السياسيّة والاقتصاديّة في الحيز العربي والإسلامي، وخاصة العربي والإيراني.
- إنّ الدور التركي كما باقي الأدوار لا بد منه للخروج من الواقع المأزوم للدول العربية والإسلامية.
- إنّ لهذا الدور مخاطر وتحديات داخلية لا تقل عن التحديات والمخططات الخارجية، كما الحال في أدوارٍ عربية وإسلامية محورية، كمصر وايران وباكستان.
لا يمكن لأحد الأدوار المحورية في العالم العربي والإسلامي، النهوض وحده من الأزمات الداخلية والخارجية التي تهدد استقراره وتقدمه نحو مستقبل أفضل، على جميع المستويات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، ولا يمكن بمعزل عن التكامل العربي والاسلامي من الوقوف أمام التحديات والتهديدات الخارجية. إنّ تركيا أخذت بجميع الأسباب والسبل حتى تعيد لذاتها هويّتها ودورها المتوقع منها كدولة إسلاميّة محوريّة. ولكنّ دورها لا يمكن ادراكه إلا في سياق نهضة حضارة وأمّة. أمّة ما زالت منذ قرون، تحاول استعادة دورها الحضاري والإنساني.. وتعيد ترتيب عالمها السياسيّ والثقافيّ والإقتصاديّ على الخارطة الدوليّة. إذاً فالإشكالية ليست فقط في دور تركيا وإرادتها في استعادة سيادتها على سياساتها وخياراتها، بل هي استعادة هذه الأمّة حقها في التكامل والنهوض والسيادة وتحقيق الارادة الحرة سياسيّاً واقتصادياً وثقافيّاً.
إنّ تكامل الأدوار، وحده القادر على الحفاظ على الخيار التركي في العودة لحيزها الإسلاميّ والعربيّ. لا بد للدول المحوريّة في المنطقة وخاصة أيران ومصر وتركيا من الانخراط في استراتيجيّة متكاملة لتجاوز تناقضات المنطقة الداخلية وتحدياتها الخارجية. التناقضات الداخلية التي تتمثل في الصراعات الدمويّة، الطائفية والعرقية والمذهبية، التي تنهك طاقات وقدرات ومقدرات المنطقة، وتؤدي دوراً سلبياً في الصراع أو التدافع مع قوى الخارج، والتي تعمل على استثارة واستغلال هذه التناقضات متى خدمت سياساتها ومصالحها، وحين ترغب في تمزيق الوحدة الداخلية لتدخل لعبة الولاءات والاستقواء بالأجنبي. فالمسألة القبطية في مصر، والكردية في تركيا والعراق، والعرب في أيران، والشيعية في اليمن، والقائمة تطول على امتداد العالم العربي والاسلامي. وأمّا التحديات الخارجية فلن يهدأ لإسرائيل بالٌ، على أثر التباعد المتصاعد بينها وبين تركيا، بعد قيام الأخيرة باتخاذ قرارات وخيارات غير معهودة في الصراع مع المشروع الصهيوني وقضية فلسطين. فليس من المستبعد الانخراط المكثف في الصراع الكردي التركي بهدف انهاك واستنزاف الدور التركي الأقليمي.
التحديات الموضوعية:
- العمل على تكامل الأدوار الأقليمية في العالم العربي والإسلامي للحفاظ على مشاريع العودة إلى الذات وتعزيزها داخليّا وخارجياً.
- لا مفر من جذب مصر بما تمثله في محيطها العربي للانخراط من جديد بمحور العودة إلى الذات، كما فعلت الثورة الايرانية وحكومة العدالة والتنمية في تركيا.
- التكامل الاستراتيجي بين الأدوار المحورية الايرانية والتركية والعربية بهدف حل الصراعات الداخلية بطرق سلمية وسياسية لتوجيه الطاقات والقدرات في النهوض بالمنطقة سياسيّاً واقتصادياً وثقافيّاً.
- التكامل الاستراتيجي بهدف خلق كتلة سياسيّة وثقافية واقتصادية قادرة على مواجهة التكتلات الدولية والتعامل معها بالندية والشراكة والتعاون وليس الاستسلام والتبعية أو القطيعة والحصار.
- قطع الطريق أمام إسرائيل ودول غربيّة لتحريك الملفات الداخية لدول عربية وإسلامية بهدف الابتزاز أو الاضعاف والتفكيك.
في المحصلة، إنّ أيّ دور مهما بلغ من الأهميّة ومستوى الأداء كما هو واضح جليّ في الدور التركي، عاجزٌ وحده عن مواجهة التحديات والتهديدات الداخلية والخارجية، ولا نتوقع منه قيادة الأمّة نحو مستقبلٍ سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ دون التكامل والتعاون والشراكة الاستراتيجية بين الأدوار المحورية في المنطقة. وإنّ المسلمات الفطرية والموضوعية لأيّ دورٍ لا يضمن نجاحاته إلا إذا واجهت الأمّة تحدياتها كأمة واحدة.
بقلم:- أسامة عباس
القدس 23 \ 6 \ 2010

الثلاثاء، 6 أبريل 2010

مشروع زواج..!

مشروع "زواج الشعب الفلسطيني"
يُسأل السؤال لماذا إشكالية الزواج في "مجتمعات" الشعب الفلسطيني بالذات، ولما الحاجة في معالجتها؟!. من هذه الإشكالية تُشتق مشاكل وتحديات وواجبات عظام تواجه القضية الفلسطينيّة على المستويات المتعددة، اجتماعيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً، وليس فقط سياسيّاً واستراتيجيّاً. فليس عبثاً استخدمتُ كلمة "مجتمعات" بصيغة الجمع والكثرة، وليس مجتمعاً واحداً، كتعبيرٍ عن وحدة المصير ووحدة القضية، والتي تفرض عليه أنّ يُسطِرَ وحدة الواقع الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ، الذي من خلاله وفقط من خلاله يفرض المستقبل الذي يريده على الاحتلال والتاريخ!.

لقد قام المشروع الصهيونيّ على حساب الشعب الفلسطينيّ بكل مكوناته ونسيجه الإجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ.. وقد فرض الاحتلال الإسرائيليّ -من خلال سياساته وجرائمه الإستراتيجية- تفتيت وحدة الواقع الفلسطينيّ. لقد أصبح المجتمع الفلسطينيّ العربيّ والمسلم مجتمعات متعددة: الداخل الفلسطينيّ بكل تركيباته، الضفة الغربيّة وتقطيعها لكنتوناتٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ، القدس وتناقضاتها السكانيّة وانفصامها عن محيطها "الضفاوي"، "مخيم" قطاع غزة الكبير ومخيماته المتناثرة، وَحدِّث ولا حرج عن الشتات الفلسطينيّ، الذي لن أناقش واقعه هنا. لذلك فقد فرض المشروع الصهيونيّ في فلسطين واقعاً مجزءً، ولكنّ المصييبة العظمى، أننا نحن الفلسطينيون، كرسْنا هذه التجزئة، وما زلنا نغذيها بكل أفكارنا وسلوكياتنا وعاداتنا وتقاليدنا وغثياننا! من هذه المأساة نناقش إشكالية الزواج في مجتمعات الشعب الفلسطيني.. ونطالب بتبني مشروع "زواج الشعب الفلسطيني"!
هو في ظاهره مشروع تحدي، وفرض الأمر الواقع على المشروع الصهيونيّ وإسرائيل، بعد أن فرض وقائع اجتماعيّة وسياسيّة على مدار عشرات السنين. ولكنّه في أساسه وجوهره تحدٍ للواقع الفلسطينيّ الداخليّ ومعركة في سلسلة معارك هدفها الإنتصار على الذات. لطالما سمعنا بالأحكام المسبقة التي يطلقها ابن الداخل الفلسطيني (رقم 48) على إخوانه من الضفة الغربية، من مثل العمالة والخيانة والنذالة والتسول، وإلى ما ذلك، في القائمة الفلسطينيّة العريقة من الأحكام المسبقة، واليوم تشهد الحالة المقدسيّة النظرة نفسها اتجاه ابن الضفة الغربيّة، فبات المقدسيّ ينظر لإخوانه من الضفة الغربية بنظرة متعالية مستهزءة، وكأنّه لم يكن قبل بضع سنوات يُحسبُ على الضفة الغربية. فالهَويّة المقدسيّة التي حمّلته أياها إسرائيلُ، جعلت منه مخلوقاً آخر، وكأنّ جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل جاء يشكل هُويّة مقدسيّة جديدة، ولم تعد القدس جزءً من الضفة الغربية التي احتلت في حرب الأيام الستة عام 1967، وانسخلت القدس عن محيطها الفلسطينيّ، فأصبح الشعب شعبان والمجتمع مجتمعان، وهكذا صُفيّت القضية على مذبح النعرات الجاهليّة البدائيّة.
وإنّ العلاقة النفسيّة والذهنيّة بين الفلسطينيّ من الداخل والفلسطينيّ المقدسيّ أكثر تعقيداً، بالاضافة إلى مسلماتٍ من الأحكام المسبقة تراكمت عقوداً طويلة. فتختلط اليوم حقيقة تواجد ورباط فلسطينيو الداخل في القدس ودفاعهم عن الأقصى بمسلماتٍ توراثها المقدسيّ بأنّ عرب إسرائيل أناسٌ تهودوا وتصهينوا وخالطوا اليهود فغدوا منهم ("منفتحين" بالتعبير المتداول والمقصود على اليهود وعاداتهم وثقافتهم). ولا ننسى علاقة الغزاوي مع باقي مجتمعات الشعب الفلسطينيّ قبل انشطار القطاع ومحاصرة غزة منذ أعوام، وما تزال النظرة ذاتها وإن أخفاها حالياً ومؤقتاً واقع الحصار والمقاومة التي تشهدها غزة. هذه "المجتمعات" الفلسطينيّة المجزئة ومنظومة العلاقات الإجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة المُركبة، تُعيق وبدون شك، سيرورة التحرر الوطني، وتكرس حالة الاحتلال والتبعية للمُحتل، وتسهل عليه سياسة فرض الأمر الواقع وتجزيء المجزء.
إذاً ما العمل..؟ وأين تدخل إشكالية الزواج هنا في هذا السياق العام للشعب الفلسطينيّ؟!.
لو كنتَ قائداً فلسطينيّاً بيده الحل والعقد.. ما أنت بفاعل؟! شخصيّاً، لأمرت أن يُغرِبَ الشعب الفلسطيني النكاح! فحتى نكسر حاجز القطيعة ونذيب الأحكام المسبقة، ونجمع شمل هذا الشعب اللاجئ، ونفرض الأمر الواقع على المشروع الصهيوني، ونخترق الجدار النفسيّ والعنصريّ الذي زرعته إسرائيل والذي كرسه الفلسطينيون- فعلى الفلسطينيّ الداخليّ أن يعقد الزواج على المقدسيّة .. والمقدسيّ على الضفاويّة.. والمقدسيّ على الداخليّة.. والداخليّ على الضفاويّ.. وبالنسبة للغزاويّ والغزاويّة، ممكن أن يعقد الزواج غيابيّ أو عن طريق شبكة الإنترنت بحضور أولي الأمر والشهود المطلوبين شرعاً. هكذا وخلال جيل كامل من مشروع الزواج تختلط الأنساب شرعيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً.. وهكذا يفرض الشعب الفلسطينيّ وحدة واقعه على الاحتلال وسياساته..
طبعاً ما أنا بساذجٍ..
فالنكاح وحده لا يحل قضايا الأمّة.. ولكن أردت بالموضوع إثارة إشكالية أو إشكاليات عميقة في مجتمعنا الفلسطينيّ المنكوب من الداخل والخارج…

الأربعاء، 24 مارس 2010

خواطر من قدس الصراع

الوجه الآخر
الاحتلال والدكتاتور والمقاوم

إن سر الإحتلال العميق في أنّه يحبس الذات عن تحقيق غايتها في الوجود، وبكلمات أقل تعقيداً: يمنع الإنسان من تحقيق أهدافه في ظل حياة طبيعية فطرية. والإنسان في فطرته كائن يسعى دائماً للحرية.. أو قل هو حرٌ في مكنوناته العميقة ، وإلا لما كُلِّفَ من خالقه تعالى بالعبادة والاستخلاف وعمران الأرض، ولمكث هناك في جنة الخلد، حيث عبودية مطلقة، لا تتطلب عملاً ولا جزاءاً. ولكنّ نفسه البشرية أبت حتى هذه الحياة، فكانت الحكمة البالغة أن يقترن الجزاء بالعمل.. والحرية بالإنسان.. فهبط الإنسان إلى الأرض ليحقق حريّته في حياته الدنيا.. ليحقق ذاته ويُجزى بأعماله إمّا السعادة وإمّا الشقاء. بل كان للإنسان حريّته في الكفر بخالقه ومخالفة شرعه.
في القدس خطيئة
وإن كنّا من أولائك الذين لا يجعلون من الاحتلال إبليساً تُلقى عليه جميع سيئاتنا. ولكن، مِمّا لا شك فيه، أنّه منعنا ومنع أهلنا في مدينة القدس، من تحقيق ذاتهم بترتيب عالمهم الثقافي والاقتصادي والسياسي كما يشاءون وبحريتهم . أفلا تكفيه هذه خطيئة، كي تلقيه في نار جهنم مخلداً ؟!... فهو الفساد المقرون بالقتل في ذات الأية المكتوبة في حقهم على اللوح منذ الأزل: ".. أنّه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً. ومن أحياها ...".
حين تقف أمام طالبٍ مقدسيٍّ عاجزٌ عن التعبير عن نفسه، تظن للوهلة الأولى، أنّ المسألة تعود لذات الطالب ومجموعة صفاتٍ نفسيةٍ وثقافيةٍ وتربويةٍ، تحبسه عن تحقيق ذاته، في التعبير والسلوك والدراسة والنشاط والعطاء. ولكن حين تنقلب المسألة لحالة اجتماعيّة ولظاهرةٍ منتشرةٍ، فلا يمكن لعاقلٍ بصيرٍ من اختزال المسألة في ظواهر فردية. بل منطق التشخيص الاجتماعي، يحتِّم علينا ارجاع الظاهرة للنظام الاجتماعي-الثقافي القائم، وهذا النظام يتجاوز الأشخاص من حيث المسؤولية، ويلتصق بالقوة السياسية (بأشكالها المتنوعة) التي فرضته على الأفراد والمجتمعات. فلا يمكن لعاقل أن يدعي أنّ الفرنسيين جميعهم يدركون حقيقة - أو حتى سمعوا- مقولة فيلسوفهم رينيه ديكارت:" أنا أفكر إذاً أنا موجود".. ولكن حين تَحُول المقولة ظاهرةً ثقافيةً واجتماعيةً، ندرك أنّ وراءها قوة سياسيّة ومنظومة ثقافيّة، أرادت من المقولة أنْ تُهيمن على واقع المجتمع وهويّته. وكذلك عندما يتحول الفشل الاجتماعي والثقافي لظاهرة مستديمة! لا يمكن لعاقل تبرأة الاحتلال... وهذا سر الاحتلال في مصادرة النجاح وفرص تحقيق الذات, بل تكريس الجهل وتنظيمه عبر المؤسسات التعليمية والثقافية.
فارتباط الاحتلال جوهرياً بالفشل والجهل والفقر الثقافي، والنفسي، والتعليمي، والأخلاقي .. بديهةً، هي أمُّ البديهيات في لغة المناطقة. وهي بديهة، ولكنّها لا تقلل من مسؤولية الفرد والمجتمع في تغيير واقعه والتخلص من قابليته للاحتلال وظواهره.. فلا الأمُّ عاجزةٌ عن تنشئة تربوية سليمة لأطفالها، ولا الأب عاجزٌ عن رسم مستقبل أطفاله، ولا الأبن عاجزٌ عن بر والديه.. ولا الرجل عاجزٌ عن كف ظلمه للمرأة.. ولا المرأة عاجزةٌٌ عن تحقيق ذاتها.. ولا الطبيب عاجزٌ عن معالجة أمراض مجتمعه، ولا الحرفيّ عاجزٌ عن اتقان حرفته، ولا التاجر عاجزٌ عن الميزان بالقسط، ولا القاضي عاجزٌ عن إقامة العدل، ولا الحكيم عاجزٌ عن نشر الفضيلة... ولا العبد الفقير عاجزٌ عن تعرية الاحتلال...
إذاً هي مسألة عجز الفرد من عدمه..! فالأب في المحصلة فرد.. وكذلك الطبيب.. وكذلك التاجر.. والأم.. والمرأة .. والقاضي.. والشيخ.. والخطيب.. و
من هذه المعادلة يولد المقاوم... من بين أمِّ البديهيات ومسؤولية المظلوم في التخلص من الظلم والفشل والفقر والجهل. من هذه المعادلة تولد المقاومة وثقافة المقاومة ونفسية المقاومة.. وتتجلى عراقة منبتها، وامتداد جذورها في الزمن، وعمق أصولها في النفس الإنسانية.. الباحثة عن حريّتها..
ماذا يريد الدكتاتور!؟
المقاوم عاطلٌ عن العمل؟!

كيف يُعقل طلب فعل الخير من المقاوم، وفي الوقت ذاته يعاني من فعل الخير.
بعد مرور أكثر من عام، غيّرت هذه الحرب العدوانية ونتائجها مفاهيماً تجذرت عبر سنوات الصراع الطويلة. فلا بد من الإشارة أنها الحرب الأولى التي يخوضها الفلسطينيون على أرض الصراع، على أرضهم التي أُحتل جزءٌ منها عام 1948 وأكمل احتلالها عام 1967. فقد سعت إسرائيل دائما،ً لاخراج المعركة خارج فلسطين، لتحقيق وتكريس وضعية استراتيجية متفوقة من الناحية الأمنية والعسكرية والنفسية والسياسية. فإلى ما قبل الحرب المذكورة ما زال المقاوم الفلسطيني يتحرك ضمن موازنات سياسيّة أقليميّة تحددها الدولة المستضيفة للمقاومة وحركات التحرر، فوجد نفسه يتفاعل مع المعطيات السياسيّة والأمنيّة التي تفرضها الدولة. ففي الأردن حدث التصادم بين المقاومة والدولة إلى أن وصل ذروته في أحداث أيلول الأسود عام 1970. وفي لبنان أُخرِجت المقاومةُ من المعادلة السياسيّة والأمنيّة أثناء وبعد الحرب الإسرائيليّة على لبنان والحرب الأهلية اللبنانية. وفي سوريا حُنِّطت المقاومة ضمن النظام الذي جمّد الجبهة مع إسرائيل منذ حرب 1973، ولم يطلق الرصاص إنّما التصريحات.
وتحت الاحتلال الإسرائيليّ لم يتح المجال واقعيّاً لبناء مقاومة مُنظمة. إلا عمليات عسكرية متفرقة، تنطلق من قرى ومدن فلسطينية تفتقر للاستراتيجية المُنظِمة، وهذا ما هيمن على الساحة الفلسطينية خلال وبعد الانتفاضة الثانية. ولكن تطور الأحداث الفلسطينية منذ انتخابات عام 2006 مروراً بالحسم العسكري لحركة حماس في قطاع غزة وسيطرتها الأمنيّة والسياسيّة على القطاع غيّر المعادلة الاستراتيجيّة بين المقاومة والاحتلال.
ورغم الألم جراء الاقتتال العسكري والاعلامي والسياسي الفلسطيني... فلا بد للتاريخ أن يأخذ مجراه، ولا بد للمقاومة أن تخط طريقها وسط التناقضات الداخليّة التي تحدثها ثقافة اللامقاومة والدكتاتورية والاحتلال، ويطلب من المقاومة الرضوخ لها وتأطير نفسها وفقها لتدخل نادي "الشرعية الدولية"!.
فكيف يعقل طلب فعل الخير من المقاوم! وفي ذات الوقت يعاني جراء فعله له!؟ فمن المنطق الفطري أنّ الانسان يعمل الخير لأنّه يتلذذ بتبعاته، أو لأنّه لذة ومتعةٌ في أصله وجوهره، وحين نريد تربية الطفل على فعل الخير، نرغبه فيه عن طريق محفزات الترغيب، مثل كلمة طيبة، أو مديح، أو هدية.. وإن أردنا أنْ نُكرِّهه في الشر فعن طريق الترهيب وعواقبه من زجر، وعقاب، وحبس تربوي. ولكنّ المقاوم يطلب منه شعبياً الثبات والمقاومة والصمود، وسلطوياً يعاقب بكل أساليب العقاب النفسيّ والإعلاميّ والسياسيّ والغذائيّ والاقتصاديّ والعسكريّ.
إذا المقاوم في وضعية لا تسمح له في الترفه والتفرغ لفعل المقاومة. بل هو مقاوم ويسعى لكسب رزق يومه وعائلته، فلا بد له من العمل.. لأنّه منتج في طبعه، ولا يميل إلى "مخصصات التأمين" والهبات الحكومية أو الدولية في إدارة شؤون حياته، فهو حرٌ في طبعه ومزاجه، ولا يرضى لنفسه فكراً وسلوكاً بتكريس الاحتلال ولا القابلية للاحتلال. والذي يتتبع نظام "مبارك" يدرك الفجوة السحيقة بين مقام المقاوم ومقام الدكتاتور.. فالأول يسعى لتحقيق ذاته، ويشعر أنّ هناك خلل في المعادلة بين واقعه وبين تطلعاته نحو حريّةٍ عميقةٍ، وانسجام تام مع إنسانيّته. أمّا الأخير، فقد رهن نفسه وشعبه للأمريكي، مقابل حفناتٍ بخيسةٍ من الدولارات، لا هي قدّمت شعبه اقتصاديّاً أو ثقافيّاً أو سياسياًّ، ولا هي عوضت المجهود الحربي-الذي اتخذه الدكتاتور مبررٍ له للخروج من معادلة الصراع التاريخية، مُكرسٍ بذلك لنفسية الهزيمة وثقافة التبعية السياسية والاقتصادية.
فلسطين: القضية التي تصنع العدالة في العالم

كما أنا الفرد يشعر غالباً بأنه محور العالم.. وأن العالم يدور من حوله وهو في المركز. فيمكن كذلك لشعب أو أمّة أن تشعر بل تعتقد بأنها مركز الكون. وهذا الشعور يمكن أن يفهم بطرق عدة منها: أنّ الفرد يشعر بعلو شأنه مقارنة بالآخرين، وتهيمن عليه عنصرية فوقية، كما شعر وآمن بها الفاشستي والنازي الألماني في أعماقه. أو أنّه يسعى ويدرك أنّه قادرٌ على وضع نفسه في قلب العالم، ورفع مكانته، ونزع دورٍ محوريٍّ في صنع الأحداث وصياغة واقعه والنظام والعالمي. ولا يمكن للثاني النجاح دون تذويت عدالة قضيته!.
والكراهيّة والعنصريّة، لا شك، تتنافى مع العدل والعدالة لقضيةٍ ما، وليس عبثاً أن تعتمد العنصريّةُ القوةََ في فرض سيادتها السياسيّة، وليس العدل كمنهج في تحقيق أهدافها وغاياتها. بناءً على كل هذا، غالباً ما يجتمع كل من المقاومة والعدالة في طرفٍ والقوة والعنصرية في طرفٍ مقابل. وهذا التشابك بين المفاهيم والتعقيد في الواقع، لا يظهر جليّاً، إلا في قضيّة عالميّة، ترتبط فيها معادلات دوليّة وأقليميّة ومحليّة، وهي قضيّة محوريّة ومصيريّة في النظام العالميّ. وإلا لِما لم تُحلّ حتى الآن رغم أسبقيتها مقارنة بقضايا آخرى؟! لماذا حُلّت أو صُفيّت باقي القضايا التي أثرت في النظام العالمي، وما زالت قضية فلسطين هي هي؟! الألزاس واللورين بين فرنسا وألمانيا، فيتنام، جدار برلين.. وغيرها كثير. فإذاً طبيعة القضيّة ارتبطت جوهريّاً بطبيعة النظام العالمي المُهيمن.. ولن تحل القضيّة إلا إذا تبدل هذا النظام، وطبيعته التي خلقت القضية الفلسطينيّة وكرستها بدون حل! فالنظام الذي أنتج القضية عاجزُ عن تفكيكها، بل لا يملك الإرادة لحلها، حتى وفق معايير العدالة الطبيعيّة والإنسانية.
ولأن النظام العالمي اجتمعت فيه محاور وقوى ثلاث: دكتاتوريّة، احتلالية ودوليّة. متمثلة بأنظمة عربية تريد للقضية الفلسطينيّة التصفية بأيّ شكلٍ من الأشكال، لأنّها قضيّة تأرق عروشهم، والإحتلال الذي أُنْتِجَ في ظل النظام العالمي ويستمد أنفاسه وشرعيته من أزدواجيّة معاييره الأخلاقيّة والسياسيّة، والدول العظمى التي أنتجت منظومة مصالحها حول القضيّة الفلسطينيّة ومحاور أقليميّة تلعب دوراً خطيراً في تكريس أو استغلال القضيّة. فإذاً هي قضية عالمية بكل المعايير، ومصيرها مرتبطُ بالمنظومة الدولية من القيم والأخلاق والمبادئ والمواقف والبرامج السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والثقافية. لذلك المقاومة هي من مستوى القضيّة، ولن تفلح مقاومة إلا إذا ارتقت إلى مستوى القضيّة ذاتها.
وفي تعليقه على تقرير غولدستون، يقول مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة ريتشارد فولك: " وفي الوقت الذي توجد فيه مقاربة تقول إن القوة هي التي ترسم مسار التاريخ, هناك مقاربة أخرى تقول إن مسار التاريخ يعتمد على المقاومة التحتية والقوى الشعبية المدفوعة بشعور العدل, وبكلمات أخرى، فإن البديل للحرب ليس السلام وإنما العدل." "وإني على قناعة تامة بأنه لن يكون بالإمكان معرفة قيمة وأهمية ما قدمه تقرير غولدستون من خدمات ومساهمات ما لم يتم التعرف على الجوانب والأوجه العديدة لهذا التقرير الذي شق عصا الطاعة ضد حصانة القوي، وآمل أن يتم الاعتراف بقيمة هذا التقرير ويلقى التقدير الذي يستحقه عبر الحوار وعبر مساهمته في دعم نضال الضعفاء والفلسطينيين بشكل خاص، ومن أجل تعزيز الثقة نظريا وعمليا في مفهوم عدم اللجوء إلى العنف."(الجزيرة نت)
فالفرق الجوهري بين القوة والمقاومة، وبين العنصرية والعدالة... هو الفرق بين العبودية والحرية وبين التخلف والتقدم وبين الدكتاتورية والديمقراطية...
أسامة عباس
24 \ 3 \ 2010

الثلاثاء، 9 مارس 2010

في ذكرى يوم المرأة العالمي
حيث تتناغم المرأة والصهيونية في قضية واحدة

كان نهار اختلطت فيه التعاسة الفكرية، والنشاط المهني والعملي. فلا أنا قادر على تصنيفه باليوم التعيس ولا باليوم السعيد، رغم إيمانٍ عميقٍ، أنّ الحياة ليست سلسلة متواصلة من المصادافت العشوائية، ولا ذرات متنافرة من الأحداث، ولا طريق يتخبطها اللامعنى. إنّما الحياة –في نظري- منظومة مُدبَرةٌ مُحكَمةٌ من القيم والأحداث، متشابكة متناغمة.. تلتقي فيها معانٍ غزيرة، وغايات عميقة، لا تتجلى إلا لإنسان أدرك غاية وجوده ومصيره، وانسجمت انسانيّته المتعثرة، مع وحي السماء المطلق المتعالي.

هي مجموعة أحداث ومواقف وأحوال يومية، يبدو عدم تناسقها بل نفورها للوهلة الأوى، فيحتار المرؤ في تصنيفها وترتيبها في سجله اليومي الحافل، بين ركام المهملات أم في سلة الإنجازات. بدأت أولاها، حين دخلتُ حرم الجامعة العبرية، وإذ بالزهور والورود الجميلة، تتناثر بين أيدي طلاب وطالبات كثر، لا فرق فيها بين يهوديٍّ وعربيٍّ، دينيٍّ وعلمانيٍّ، وطنيٍّ وأمميٍّ، فلسطينيٍّ وصهيونيٍّ، ذكرٍ وأنثى. جميعهم تناغمت مَشياتهم ونفسيّاتهم مع زهور، فاقعٌ لونها، تسُر حاملُها وناظرُها، بين صفراء وحمراء، وبين خضراء وزرقاء.. كلها تمثل هذا الطّيف السياسيِّ، ممتداً من أبناء البلد "يساراً فلسطينيّاًً" مروراً بالجبهة الديمقراطية يساراً إسرائيليّاً، حتى أقصى خارطة صهيون يميناً. كلهم جميعاً، حملوا بدون تنسيقٍ، زهورَ التضامن مع المرأة المضطهدة، المنكوبة، المسجونة، المكبلة في قيود الرجعية الرجولية. وطبعاً قُصِدَ الرجلُ المسلم الرجعيّ، وبالأخص ذلك الإسلاميّ الذي يُشرعِن للمرأة قيودَها وقبورَها.
طبعاً حُمِّلت أنا شخصياً مسؤولية اضطهاد المرأة، بما أمثل من قيّم ومواقف. ودار نقاش، بل سجالٌ عنيفٌ، أثرت فيه أمامهم، وبلونٍ من الهجومية اللطيفة، أنغماسَهم المستلب في مفهوم المساواة، وتغنيهم في رومانسية شعرية خَمريةٍ في المرأة. وطرحت مفهوماً آخر لمعالجة قضية المرأة في سياقها العربي الإسلامي.. وهو مفهوم "العدل" بما يحمله من معانٍ أعمق وأدق وأنجع من مفهوم مستورد غربياً، لا يتجاوز استعماله حساباتهم السياسيّة الضيقة، ورقصاتهم الاستعراضية على جرح حساس في جسد المجتمع العربي المسلم، لا يريدون إلا المتاجرة بآلامه وآماله، وإثارة غرائز رخيصة تتغذى على فتاتها طروحاتهم الفكرية والسياسية. ومن جهته تغنى بالاشتراكية - كأبنٍ لهذا البلد- كمخرجٍ لحَجْرِ المرأة، وجعلها "رأس مال" الرجل المسلم، سلعةً لا أكثر ولا أقل، تباع وتشترى وفق قوة الانتاج السوق. ولا أعلم ما علاقة الاشتراكية بقضية المرأة، لولا أنّ "للرجل" أجندة آخرى ما وراء- نَسوية. وكأني به يجعل من المرأة "سلعة اشتراكية" تنتج في مصانع مجتمع المساواة، ثم يتم توزيعها بين خِلّانِها وأصدقائها، دون رابطٍ شرعي "متخلفٍ"، ولكنّ تعدد الخلان سراً وعلناً بات من مقدساتهم واللا مفكر فيه عنده. وإن لم يقصد ذلك حرفاً، فكيف نُؤَول حقيقة شرعنة الزنى في فكرهم، ودعوة السفور، وتماهيهم في نموذج المرأة الغربية، وإيمانهم اللاواعي والواعي بحقيقة تفوق المرأة الغربية من حيث هي امرأة، وليس من حيث انجازاتها ودورها الايجابي في مجتمعها وثقافتها.
وعجباً كان الجبهاوي\ة وابن\ة البلد، يداً بيد، ينشروا الزهور في "الفوروم".. بشرى بتحرير المرأة ودفاعاً عنها. وعجباً من أبناء البلد، أنّ قضية المرأة هي التي دفعتهم للتحرك طلابيّاً بنشاطٍ في الجامعة منذ بداية العام الدراسي. فنعم المُحرِك هي!، ونعم القضية الشريفة هي! وبئس المدافع هو!.
والعجب كل العجب.. أن يجتمع حول قضية المرأة، والدفاع عنها، والتضامن معها، من أقصى اليسار الفلسطينيّ حتى أقصى(أو وسط، إنِ امتنعت عن المبالغة) اليمين الاسرائيلي. وبعد أنِ اتخذتُ مكاناً لي قصيّاً في "الحرم"، متحدثاً مع طالب عربيّ تربطنا به علاقة التلاقي السياسي وأكثر من ذلك، متأملاً مشهد الزهور والوجوه، قلت له بنبرة جديّة لا تخلوا من سخرية: " والله عجباً من قضية تلتقي فيها المرأة والصهيونية في صعيدٍ واحد"، فأخذ الشاب يسيطر عليه ضحك عميق، وكأنّه يوافقني الرأي، قائلاً لي: "هههه,, والله عندك مصطلحات وتركيبات غريبة"، ولعله فهم مرادي، ولكنّي أصررت أن أشرح له فكرة مقولتي: لو أنّ رفاق البلد وجبهتها التقدمية، وزعوا زهور التضامن مع أطفال غزة، هل ستشهد الساحة هذا الاقبال، منقطع النظير، من شتى ألوان الطّيف السياسيّ والوطنيّ والثقافيّ والإنسانيّ والصهيونيّ؟!. أمّ أنّها المرأة، هذا المخلوق العجيب، وحده القادر على جمع التناقضات، وتوحيد البشر من كنعان إلى صهيون. ولو أنّي أوافقه نظرياً بالعلاقة المتينة بين تحرير المرأة وتحرير الأرض، حيث أنّي مقتنع بذات المنهجيّة المعرفية والعقدية التي ستحرر الإثنين معاً، وهي بديهياً ليست "اشتراكية المرأة".
بعد اختلاط الضحك بالجد بيني وبينه. بدأت أقصُّ عليه الحدث التالي، من هذا اليوم التعيس: دخلت على بناية إدارة الجامعة قاصداً أمراً، وإذ بي أدخل على موظفة جالسة، تقرأ في كتيبٍ، لا يدرك الناظر ماهيّتَه ولا موضوعاته ولا أهميّته، فقلت لها بالعبرية اللطيفة، استعملها عادة لموظفات بلغن سن الهرم، بالاضافة لكونهنّ يعملن في مؤسسة "محترمة": שלום לך גברתי, אפשר שאלה קטנה?.. وإذ بها تشير لي بقبضة يدها وأصابعها مضمومة، تضرب بها هواء الغرفة صعوداً ونزولاً، تحاول اسكاتي بأحرفٍ هوائية مخرجها: שששש. وقفت مشدوهاً، قلت لنفسي: "يا ولد صلي على النبي وكف شرك".. بعد بضع عشرات من ثوان طويلة ألححت عليها: שאלה גברתי?!. فكررت هوائيتّها المزعجة وحركتها المتوترة بأكثر حدة: שששששש. في لحظتها كُظِمَ غيظي، وبدأت أعد الثواني دقائق، منتظراً، ولكن دون جدوى، وهي تقلب صفحات الكتيب تتراً، وتقلب أنفاسي معها بين شهيقٍ وزفيرٍ، حتى نطقتُ مستغرباً معترضاً على أسلوبها وقلة مهنيّتها: מה?! כול כך זה חשוב?!! فكررت غضبها الهوائي وحركتها الجنونية: שששששששש. ومضت ثوان آخرى طويلة، قررت فيها بالذات الاستمتاع للحال، فعادةً ما أستغل أحداثاً ومواقفاً غريبةً، في جلب المتعة النفسية والفكرية، محاولاً صناعة الحدث، لأجل ذاتي على الأقل. ولكنّها قطعت متعتي، بتصعيدٍ لحالتها الهستيرية قائلةً لي عند انتهائها الفجائي: מה?! אף פעם לא ראית אדם עושה ברכת מזון?! فوقفت مشدوهاً، من جانب أتفهم الأمر دينياً، ولكن الأمر يزعجني حين أذكر كونها موظفة في مؤسسة مُلزَمةٌ بالخدمات! تلزمني بعبوديتها المهترءة في وقت دوامها وعملها.. فرددت لها بنبرة فيها أسفٌ خفيٌّ ممزوجٌ بعتابٍ مُبطنٍ: כן גברתי, אני בחור ערבי, ולא שמתי לב שהחוברת שבידך אינה קשורה לתפקידך, אלא לדתך?!. فأجابتني بنبرةِ استعلائية المستعمِر: הגיע הזמן שתלמד משהו!. حينها تحررت الأعصاب وتعالت هرمونات المستَعمَر: גברתי! את חוצפנית, והתנהגותך מחפירה עוד יותר! ואת קשישה מטומטמת!. وحين سَمِعَتْ نبرةَ المستعمَر، نبرةً طالما زرعت في نفوسهم الخوف والارتباك، توجهتْ للهاتف بقصد أمن الجامعة تبث سمّها وكراهيّتها الدفينة: יש בו ערבי, ואני רוצה שתסלקו אותו מפה!.. حينها قررت بتحدي المناضل في أرضه، أن أصمد على أرضي في المكتب رافضاً الاقتلاع.. وقد كرَرَتْ ذات العبارة مرات بعد محاولات متكررة لمكالمة الأمن واستحضارهم.
وصل الأمن! وصل ضابط الأمن، طلب مني التعريف بهويتي وبدأت بسرد القصة له في تفاصيلها المزعجة.. بدا وكأنّه يؤمن لحديثي وهو يخرج من القلب، وتأكد ذلك عنده، حين رأها تغلق باب المكتب بقوة رافضة حتى الحديث للضابط ورواية روايتها الذاتية، مثبتة له انحراف سلوكها كموظفة وكامرأة وإنسانة، وكأنّها تعتبر نفسها فوق القانون وفوق أخلاقيات العمل على الأقل، وبالقرب منها على بعد أمتار رجالٌ يدافعون عن قضية المرأة. اشتكيت لعميد الطلبة وطلبت اعتذاراً رسمياً منها أمامي، وصعدت لمكتب رئيس الجامعة في ذات البناية وقسم العلاقات الخارجية المسؤول عنها مباشرة، وقدمت شكوتي، وتفاجئت من المسؤولة هناك، أنّها تتفهم روايتي، وتوافقني الشعور، ووتتضامن مع قضيتي، وتؤكد على إنّ تلك المرأة هي هي، هذه طبيعتها، وهذا سلوكها، وهذا ديدنها... عندها تعالت في ذهني تساؤلات عميقة حول عمل المرأة.. ومفهوم المساواة التي يتشدق به أصحابنا في البلد وجبهته.. وتجلى معنى مفهوم العدل في قضية المرأة وحقوقها وتحقيقها لذاتها:
- طبعاً المرأة هذه لا تمثل النساء جميعهم، وعملية التعميم على فئة مجتمعية هو خطأ منهجي وفكري يناقض مفهوم العدل الفردي والجماعي.
- ولكن التطبيق العملي للمساواة جلب هذه المرأة لهذا المنصب والوظيفة. ومنع من استبدالها بأفضل منها رجلاً كان أو امرأة.
- التطبيق العملي لمفهوم المساواة كرؤية للمجتمع، يحيّد معايير آخرى أكثر أهمية وأسبقية ليس فقط في مجال عمل المرأة، من بينها: الكفاءة، المعرفة، الأخلاقية المهنية، المعاملة الإنسانية والمهنية، والمهارات الحياتية، ومهارات الإتصال.. إلخ. بينما التطبيق العملي لمفهوم العدل يكرس هذه المعايير ويضعها في إطار يتجاوز الجندر الاجتماعي والعرف المهترء.
- المساواة هي تشويه كينونة المرأة من حيث هي امرأة، وتغيير طبيعتها المتفردة بها والمستخلصة لها تميزاً.. بينما العدل يحفظ لها هذا ويتعامل معها كامرأة من حيث انجازاتها وامكانيات تحقيقها لذاتها المُميَزة.

ولكن لا شك أنّ نهاري التعيس تبدل سعيداً، حين خُتِمَ في اجتماع لإدارة حركة الرسالة الطلابية، في اجتماعٍ للأخوة والأخوات يختاروا فيه لحركتهم رئيساً أو رئيسةً ونائباً أو نائبةً.. يحاولوا بفطرتهم الإنسانية، ورؤيتهم الإسلامية، تحقيق العدل الاجتماعي والتنظيميّ والسياسيّ بين الأخوة والأخوات، فُيفتح المجال للأخت –لا تكرماً ومنةً ولكن خياراً وقناعةً- كما للأخ، للترشح لمنصب رئيس حركة الرسالة الطلابية.. الحركة الإسلامية الطلابية الدعوية الأولى تاريخياً، والسباقة في العمل الطلابي في الجامعات الإسرائيلية.

هنا تتميز المرأة ... تتناغم قضيتها مع حقيقتها... ليس مع الصهيونية.. ولا الاشتراكية الجوفاء.. ولا المزايدات الرخيصة في سوق المرأة المبتذلة...
هنا الحياة منظومة مُدبَرةٌ مُحكَمةٌ من القيم والأحداث، متشابكة متناغمة.. تلتقي فيها معانٍ غزيرة، وغايات عميقة، لا تتجلى إلا لإنسان أدرك غاية وجوده ومصيره، وانسجمت انسانيّته المتعثرة، مع وحي السماء المطلق المتعالي.
بقلم: أسامة عباس
القدس 9 \ 3 \ 2010

الأربعاء، 30 ديسمبر 2009

خاطرة على هامش الهجرة والميلاد

متى وُلِدَت الأمة؟ هذا هو السؤال
رُشد: لم تقنعني! لا يمكنني تتجاهل أنّ العالم اليوم يحتفل بعيد الميلاد.
يَقظان: لعلك تدرك أنّ المسألة ليستِ القناعة بموقف وقدرتي على تغيير قناعاتك، إنّما هي خيار تتبناه عن إرادة يختلط فيها الإدراك الفكري والتعبير الذاتي عن هويتك.
رُشد: ماذا تقصد!؟ هل أختار بدون قناعة؟
يقظان: بعبارات آخرى، بعيداً عن الجدل العقائدي والفقهي حول احتفالك بعيد الميلاد، المسألة تتعلق بخيارك الثقافي، هل ترغب بتكريس مركزية الغرب في فكرك وسلوكك وعاداتك؟
رشد: وما علاقة مركزية الغرب؟ أنا أرى أن الاحتفال بالمناسبة هو إنساني وعالمي!
يقظان: إذا لماذا لا تحتفل بميلاد بوذا أو كونفوشيوس، فقد أسسا أيضاً أديان وحضارات وأمم تقدسهم وتحترمهم حتى الآن؟
رشد: آه! ولكن ميلاد السيد المسيح لا شك أثر فينا.. وهو قريب علينا كعرب ومسلمين. وكذلك نعتبره من الرسل وأولي العزم من الرسل!
يقظان: ولكن ألم تدرك أنّ المسالة لا تتعلق بالقرب من حيث التأثير. فلا شك أنّ ميلاد محمد بن عبد الله العربي أثر فينا أكثر، ومع ذلك لا يعتبر ميلاده عيداً ثقافياً أو حتى دينياً لدى العرب والمسلمين.
رشد: كيف هذا؟ فنحن نعلم أنّ المسلمين يحتفلون بالمولد النبوي، فيقيمون الأمسيات والمدائح والمسيرات؟
يقظان: بلى. ولكن لننظر إلى المسألة كونها عادات لها سياقها التاريخي ونستطيع تتبع مصدرها وبداياتها وتجلياتها. والحقيقة أن العادة هي ظاهرة غير أصيلة في هويّة الأمة. ولو أنّها أصيلة لكان الحريّ بالعرب المسلمين الأوائل والمسلمين من بعدهم جعل المولد بداية التأريخ لتحركهم التاريخي.
رشد: أتريد القول أنّ ...
يقظان: أريد أن تدرك أن خيارك يتعلق بذاتك وهويتك وليس بالعادة المنتشرة بين الناس اليوم!
رشد: مرة آخرى! هل تستطيع تجاهل أن العالم يسير وفق التأريخ الميلادي اليوم؟
يقظان: جاهل من يتجاهل! فلا يمكن تجاهل العادة.. ولكنك لا يمكنك تجاهل أن هيمنة تقف من وراء "العادة" التي تحولت إلى عادة. الهيمنة هذه هي مركزية الغرب وثقافته حتى في تحديد تاريخ ميلادك!
رشد: وضّح!
يقظان: ما الأصح أن تقول: "تُوفيّ أبا حامد الغزالي عام 1111 بعد الميلاد" أم " تُوفيّ أبا حامد الغزالي عام 505 بعد الهجرة"؟
رشد: أعتقد أن في الحالتين صحيح!
يقظان: هنا المسألة! في السؤال متى وُلَدت الأمة ومتى تُوفيت؟ لنرسم خط بياني لميلاد الأمة أيّ أمة، تجد أنّ لها تاريخ ميلاد، تصل الفتوة والشباب بعد فترة معدودة.. ثم تبلغ أشدها وذروتها.. ثم تشيخ..ثم يُعلن وفاتها. فلو اعتبرنا أن زيداً ولد عام 1967 وقد بلغ الأربعين من عمره، هل يُعقل أن نحدد تاريخ ميلاده بالقول: " إنّ زيداً وِلد 19 عاماً بعد ميلاد موشي عام 1948".
رشد: رياضياً وحسابياً جائز!.
يقظان: ولكنك تعلم أن الإشكالية ليست في الحساب.. إنّما في الثقافة، وما التأريخ الذي يعبر عن سيرورتك التاريخية والثقافية، فجعلت من "موشي" نقطة ميلادك وكأنك تستحضر هنا تطور وبلوغ "موشي" وليس رسمك البياني منذ ميلادك حتى وفاتك، وما يتخلله من إنجازات وإخفاقات، وكأنك تسلخ نفسك من تاريخك وتخرج نفسك من زمنك.
رشد: الذي تريد قوله...
يقظان: رأس السنة الميلادية... ليس أكثر من تعبير عن هيمنة الغرب.. وثقافته وجعلها مركز العالم...وكأن العالم يسير ويطوف حوله وهو الأهم والأرقى والأصح... تاريخنا يبدأ منذ الهجرة.. وهناك تشكلت هويتنا وثقافتنا وتاريخنا.. وليس ميلاد السيد المسيح.. وعلى فكرة ليس بولادة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام..
رشد: وأين الخيار يكمن؟!
يقظان: الموضوع يطول... ولكن لا تقنعني أن الأمر لا يتعلق فيك وفي كل شخص فينا.. مسألة إرادتنا في تغيير العادة والتأثر بالآخر.. انا قادر أن أتجاهل التاريخ الميلادي.. لأنه لا يعبر عني.. هذه هي المسألة "الهوية"... متى ولدتِ كأمة !!
أسامة
بيت المقدس
30\12\2009

الجمعة، 11 ديسمبر 2009

بكاءٌ مع لاجئة

بُكَاءُ لاجِئَةٍ
ما زلت أبكي وأنا أدون هذه الدموع
...

أعترف أني لم تذرف دمعةٌ لي على فلسطين على فترة من المصائب، وتتراً من النكبات. كان آخرها في وقفةٍ بين يدي الله أتلو آيّةً تختزل الزمان: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل، أنّه من قتل نفساً بغير نفسٍ،أو فسادٍ في الأرض، فكأنّما قتل الناس جميعاً...(المائدة:32) ".

ولكنّي في هذه اللحظات لا أبكي ضحية جلاد. جلادٍ عهدنا جرائِمَه من لدن هارون وموسى..
إنّما جلاد من نوعٍ آخر..
بل قل من نوعنا..
من ديننا… من وطننا ومن مخيّمنا ومن قدسنا! من قدس أقداسنا.. من مسرى حبيبنا..
من مخيم نكبتنا ونكستنا! من بكاء أطفالنا.. من عجز نساءنا… من حيرة رجالنا..
من ثباتِ رجالُ اللهِ في أرضنا.. من تراب رباطنا… من كلِ شيء فينا!..
من عمق تاريخنا.. من وجودنا ووجداننا.. منّا..
ومن ذنوبنا.. وخطايانا… من…!

أبكتني ضحيةُ ضحيةِ الضحية…

وأعترف أن لا ضحيةٌ أبكاني عويلُها كما أبكتني هذه المرأةُ!
وأعترف أن لا شيخٌ أبكتني مواعظُه كما أبكتني هذه المنكوبة!
واعترف أن لا حكيمٌ أفهمني منطقُه كما أفهمتني هذه المسكينة!
وأعترف أن لا زعيمٌ أقنعتني غوغائيّته كما أقنعتني هذه المسحوقة!

كان ذلك عندما رمتني يدُ الله بين يدي امرأة مقدسيّة، أبت دموعُها - التي تعوّدتِ السيلَ زمناً، وأتقنت فن البكاء والمأساة-إلا أن تنتزع منّي كبريائي، وصلابتي، وقسوةَ قلبٍ طال عليه الأمد.. فسالت دموعٌ لم أعهدها، ورق قلبٌ لم أذكره، وجالت أفكارٌ كرّرتُها مراراً.. ولكنّها فلسفةٌ جوفاءٌ، ونظريّةٌ صماّءٌ في الهُويّة والحريّة والصراع والاحتلال والإسلام ...

كانت لحظة…
في خاتمة يوم عمل طويل لم ينتهِ.. لم أدرِ كيف تحركت يدي -لا إرادياً- فتوقفتْ سيارتي لامرأةٍ تُشير لي للتوقف على هامشِ طريقٍ! في شارعٍ من شوارع قدسنا.
انزلقت السيدةُ على مقعدها الخلفيّ..وكأنّها غير واعيةٍ ولا آبهةٍ لما تفعلُ.. ولم تلبثْ أن بدأت دموعُها تنهمر منها تندُبُ حالها.. وترسُم لي صورةَ مأساة فلسطينيّة.. لم يصل خبرُها بعدُ لمجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم، ومجالس حقوق الإنسان.. بل لم يصل إلى سراديب مؤتمرنا الإسلاميّ أو جامعة العرب.. أو حتى لقلوبٍ مسلمةٍ عربيةٍ غافلةٍ!
صورة امرأة في مخيم شُعْفَاط، كيلومتراتٍ قليلة من المسجد الأقصى الذي بورك حوله.. تعيشُ في مخزنٍ لأحد عائلات المخيم المنكوب على أثر نكبة العرب ونكستهم.. تبكي ظلم الأقارب، تبكي قسوة الضحية، تبكي شهود قضية، تبكي مأساة شعبٍ باع القضية وألقى البندقية والحرية.. واستعبد الهزيمة والخنيعة، واستمرأ الضحية والعبودية! فكما اخرج موسى قومَه من عبودية استمرأوها.. عاد قومُه بعده لها يعبد، وقد أُشرِبت فيها قلوبُهُم.. وفي زماننا لعبوا دور الضحية فطابت لهم.. ونحن من بعدهم وبصنعتِهم استمرأنا دور الضحية، وكأنّ شعبنا كله ضحية..! وغفلنا عن كوننا جُلاداً لأنفسنا وذواتنا.. فسلط الله عليّنا ضحية تتقن الجلد وفن الجلد..
امرأةٌ فلسطينيّةٌ تُشتت امرأةً فلسطينيّةً..
قالت لي ودموعي ودموعُها تُعزي بعضها بعضاً… "هذه المرأة التي استأجرتُ منها المخزن.. الذي يأكل جلدي ولحمي وعظمي بخشونة جدرانه، ونتؤات حديده، ووقاحةِ شتاءه وصيفه… ونتانةِ جوّه العُلُوي وأرضه المقدسة.. تطالبني بأجرة السكن- المسكون بالحقارة والوساخة والاستغلال- خمسمائة شاقلٍ، هي بطاقة خلودي للنوم الليلة.." ليلة جمعةٍ قارصةٍ في شتاء القدس.

بعد أن شوهوا الهُويّة ضُيّعت القضية

امرأةٌ تضطهد امرأةً.. ويقول من يقول، ويدّعي من يدّعي: أنّ للمرأة قضية.. وأنّ للرجل قضية. فجزأوا المجزء وقسّموا المقسم.. واتّبَعهم أذناب الثقافة والحداثة والبلية.. فضُيّعت الهُويّة، وشُتت الأمّة، ونُسِفت القضيّة. . . فتنادوا بينهم: "يا عمال العالم اتحدوا.. ويا نساء العالم تحرروا.. ويا شعوب الأرض ارتقوا وتقدموا" فلا مُجيب بعد قتلهم الروحَ.. فارتمتِ الجثةُ هامدةً ميتةً! فلا حياةَ لمن نُودِيَ.
ضحيةٌ تُشتت ضحيةً.. ولاجئةٌ تطرد لاجئةً.. فأي قضية هذه..! فمن قلب القضية ومن عنق الجلاد الضحية أو الضحية الجلاد.. حدثتني هذه المرأة الاجئة، عن واقعِ مخيّمِ اللجوء.. عن قصةِ واقعٍ شاهدته بأٌم عيني قبل أيام في ذات المخيم.. حدثتني عن "معركة صمود" المخيم ذاتُه.. معركة كانت بين ضحايا الجلاد "الحقيقي" أنفسِهِم.. بين عائلاتٍ لاجئة قتّلت احدهما الآخرى، فألقيت القنابلُ، والرصاصُ على الصدور. قالت لي: على كلبٍ قُتِلَ رجلٌ بلغ الأربعين.. بكاه جميع المخيم.. نعم.. بكاه من قتله، فنحن نتقن البكاء، أو لا نتقن إلا البكاء! .. إلا فنَّ البكاء.
فنُّ بُكاءٍ فلسطينيٌّ

لم تتوقف دموعها وكأنّ جفونها مخزن آهاتٍ وحسرات.. لا تضمأ أبداً، حتى يظُنُّ باكيها أنّها تمثيليةٌ فلسطينيةٌ حزينةٌ لأحدى المتسولات في باب العمود أو مصطبات وأروقة المسجد الأقصى. فتتراجع دموعي تحت وطأة شكٍ فلسفيٍّ.. أو الشك الأمني الذي ذوتناه في وجداننا قائلين لأنفسنا خُفيةً: "لا بد أنّه عميل.. لا بد أنّه "شاباك".. لا بد أنّها متسولةٌ كذّابةٌ أو تاجرةٌ ماهرةٌ… إلخ".. ولكنّ شكٌ إنسانيّ عميق، ما لبث أن أقنعني لعلها صادقة- وعلمها عند ربي-.. أو أنّه شكٌ برغماتيّ، دعاني للبكاء معها موسوساً لي، ينفث في أذنيَ: ويلك! ما من شيء تخسره يا هذا! بعد أن فاضت دموعُك.. خاصة أنّك استمتعتَ بالبكاء في لحظة إنسانية عابرة، وعاطفة ممتعة يحتاجها الإنسان من حين لآخر، فانتفع بها واستغلها علّها لا تعود أبداً!. وسوسةٌ ملخصها، أنّ حتى دموعَنا ومشاعرَنا وأحاسيسنا إن هي إلا منفعة شخصية، نحمّلها معانٍ إنسانيّة وأخلاقيّة وهميّة.
واصلت البكاء.. بين كرٍ وفرٍ.. فإمّا أنها تجيد فنّ البكاء والتحكم في ينابيع الدموع، كما الاحتلالُ، يتحكم في مياه وغاز ونفط غزة.. وتتقن توجيه مشاعرها وإحساسها كما الاعلام الموجه لتنتزع منّي موقفاً متضامناً، حتى تحقق غايّتها ثم ترميني مخدوعاً عارياً منسيّاً. وإمّا أنها فنانة حقاً، فَطَرَتها نكباتُها على تقمصِ شخصيةَ بطلِ مسرحيةٍ تراجيديةٍ، أمام جمهور مستسلمٍ لعمق أداءها الإنسانيّ، مُنغمسٍ في واقع مأساة بطلِهِ. لا يفرق جُمهورُها وضميرُه الحيُّ بين حقيقة البطلة ودورها.. بين ما خلفَ الكواليس وأمامها.
ولكنّ فن البكاء مهما ارتقى.. لا يمكنه خِداع أنانيتنا المعاصرة وشكوكنا العميقة.. فلا بد للمُمثل أنّ يعيش مأساته حتى يؤثر فينا.. كذلك هذه المرأة.. لا بد أنّها خرجت من عمق المأساة...
فكرةُ بددت لديّ شكوكاً.. وإن بقِيت آثارها
وليطمئن قلبي أكثر، انصت لحكمتها مرغماً منساباً مع اللحظة.. كأني مريدٌ بين يدي شيخه ...
حكمةُ الشعب وغباءُ الحكام
أردت بدايةً أن أُخفي دموعي عنها.. فرجولتي لا تسمح لي بالبكاء علناً.. ولكنني استسلمتُ لدموعٍ علّها تعزيها وتشاركها أحزانها وآهاتها.. فقد لاحظتْ عليّ بأنوثتها العذراء شهقاتٍ عميقةٍ، ودموع متضامنة، منعتني من تحريك المرآة فوق رأسي قاصداً رؤية وجهها الشاحب ودموعِها الجارية، ولكنّي استرقت السمع مراراً متتبعاً لهمسات دموعها وأنفاسها، معوضاً بذلك عجزي أو مهابتي من مشاهدة مسلمةً تبكي ظلمَ، وقسوةَ، وَجَلْدَ أولادِها لها… أو لاجئةً تتراكم عليها نكباتٌ فوق نكبات.. وهزيمةٌ فوق هزيمة، واحتلالٌ فوق احتلالٍ، وحاكمٌ فوق حاكمٍ، ومخيمٌ فوق مخيمٍ أو داخل مخيمٍ… أو إنسانةً تشكي ظلم الأهل والأقارب وأبناء الوطن، وكأنّ الشكوى سلاحُ الضعيف، فهذا ما يملكه أمام قساوة ِالواقع وتلبدِ الضمائر وجمودِ وجداننا الإنسانيّ.. أو لعله سلاح القوي.. حين يدرك أنّ عدل الله واقع لا محال في الدنيا قبل آخرتنا ..
ولعل سقراط [1] صدق حين نزل للشعب والعامة لدراسة الفلسفة.. فقد أدرك أن الحوار مع الناس وعامتهم يوصل للحقائق والمثل.. وقدِ ادّعى على لسان تلميذه أفلاطون: أنّ ابن الفقير دائماً ما يبحث عن العدل، فهو تجرع مرارةَ الفقرِ، والظلمِ، والاستغلالِ، وغيابَ العدل في أبسط صوره. لذلك فأبناء الفقراء، أي الجيل الثاني من الفقر، يسعى لإقامة نظامَ ودولةَ العدل. أمّا أبناء الأغنياء الذين تنعموا من ثروة الآباء، فقد تجرعوا مرارةَ الفراغِ والخواءِ واللا معنى، بعد أن رأوا آباءهم يعملون ليل نهار لجمع المال والتراب، ولكنّهم لا يتمتعون بالحياة، كما يستمتع أكثريةُ الناس حين يعملون القليل، ولكنهم يَحيّون بقدر من السعادة، يكفيهم للبقاء والفناء والضحك والبكاء.. وهذا الجيل الثاني من الأغنياء يتمرد على الآباء، يطلبوا الحرية من قيود الغنى واللامعنى.. فيسعون لإقامة نظام الحرية.. الحرية من العمل والفكر والمال والثروة والكماليات التي صادرت طبيعتهم.
ولعل المرأة بحكمتها الفطرية.. أدركت أن لا بقاء للظلم بشتى أنواعه.. أكان ظلمَ الفَقرِ أم ظلمَ الغنى… فقد روت لي السيدة قصةً، بعدما توقفت دموعُها وشهقاتُها، وكأنّها لحظةٌ، لا مكان للعواطف فيها والأحاسيس.. ولا للقلوب. إنّما لحظة يتجلى العقلُ فيها بأبهى صوره، وتنطق فيها حكمةُ الشعبِ بصفاءها البهيّ.. متجاوزةً تشدقَ فلسفيٌّ وأكاديميٌّ بنظريات الوجود، قائلةً لي بعباراتٍ عَجزتُ عن حفظها لفظاً، ولكنّها معنانٍ هزّت كياني، واستحقرت نظريتي المستعلية بهتاناً، فوق حكمة الشعب: ظن هؤلاء بغبائهم أنّ نِعَمَهُم أوصَلَفَهم أوظلمَهم أوزيفَهم، أزليٌّ كان، وأبديٌّ سيبقى.

قالت مقولتها بيقين.. عَجِزَ عنّه أولوا الألباب من الحكماء والفلاسفة... وكأنّها تؤمن أن لهذا العالم غايةً لا مفر منها.. ومنتهىً لا رادّ عنه.. وطريقاً لا سبيل عنه..ألا تحقيقُ العدلِ والعدالةِ عاجلاً أم آجلاً، لتدور الدائرةُ على جميع من قدّم وأخر في هذه الحياة... كبيرةً كانت أم صغيرة.

ما زلت أبكي وأنا أدون هذه الكلمات.. ما زلت أكتب وأنا أدون هذه الدموع.. وتأكدت أن عباراتٍ لا تغني، ولا تدنو للحظةِ حياةٍ حيّة.. فلن يبكي إلا من بكى.. أو بكى على بكاءٍ…
فإذا قتل إسرائيلُ وشردَ نفوساً وأناسيّ كثيرة أفلا نُحي نفساً واحدة. .ومنّا.. " ومن أحيّاها فكأنّما أحيّا الناس جميعاً" [2]

ألا نامت أعين الجبناء
" إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم"

أسامة عباس
بيت المقدس
11-12-2009
[1] فيلسوف يونانيّ قُتل عام 399 قبل الميلاد على أثر محكامته في أثينا بتهمة "إفساد الشباب" أو الشعب.. فقد انتهج طريقة محاورة الناس في الشوارع والأسواق بتوجيه الأسئلة لهم كأنه لا يفقه شيئاً.. ولكن من خلال الحوار يتبين أنّه أذكى منهم وأعقل.. وهكذا يدرس الحكمة والفلسفة ويساعد الناس في التوصل للحقائق الفلسفية للوجود. الحقائق الأخلاقية والسياسية والفكرية التي أثارت عليه أصحاب السلطان والجاه والمصالح مما تسبب في قتله.
[2] المائدة: 32

الأربعاء، 9 ديسمبر 2009

بيان الحقيقة الآخرى

بيان

الحركة الإسلامية بين العهر والكذب

والحقيقة الآخرى
"… مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم. رفعت الأقلام وجفت الصحف وحصل ما في الصدور، هكذا يمكننا القول والتلميح إلى صراع الهوية والفكر والسياسة في تركيا ومن يحق أو لا يحق له أن يمارس السياسة والسلطة والحياة العامة. لقد انتهت اللعبة، الديمقراطية في تركيا انتصرت حتى الآن على الأقل، انتهت اللعبة، من يختاره الشعب هو القائد وليس من تسمح له محاكم التفتيش أو النابشون في قبور النوايا، انتهت اللعبة، الحداثة هي التحديث في الواقع بالواقع وليس بما كان واقعا قبل سنوات وعقود فتلك حداثة مغشوشة إن تجمدت عند شعارات بالية ولغة قديمة فليس اللباس مقياس الحداثة وليس الدين هو لا حداثة ولربما هو العكس، على الأقل تركيا اليوم نموذج ناطق، انتهت اللعبة، السيد عبد الله غول هو رئيس الجمهورية في تركيا ورئيس الدولة باعتداله وانفتاحه ومرونته وأيضا بثوابته وخياراتها وتاريخه، من كان يصدق ولا زال يصدق كثر وأكثر من لا يصدق بنكهة عناد وهم قلة وأقل، انتهت اللعبة. نحن مع الرئيس عبد الله غول في مكتبه الخاص بقصر شانكاياه في أنقرة لنقول له سيدي الرئيس انتهت اللعبة بمعنى أنكم أنهيتم زمن الإقصاء والعزل والتهميش فاسمحوا لنا أن نبدأ معكم لعبة إعلامية جميلة اسمها حوار صحفي فتركيا الآن باتت حديث الناس والعالم وخصوصا في منطقتنا العربية والإسلامية لتطوراتها ودورها ونشاطها وحركتها اللافتة، نريد أن نفهم سر الانطلاقة التركية المثيرة في الداخل ومع الخارج، وبعض المواقف من حال الأمة في العراق وفلسطين والقدس ومع سوريا وإيران وطبعا ماذا تريد تركيا أن تحققه تحديدا ولا ننسى أين هي أميركا وخصوصا ما يشار إليه أيضا من العلاقة المتوترة الجديدة بين تركيا وإسرائيل، مرحبا بكم سيدي الرئيس...."

هذه الكلمات افتتح فيها الصحفي الموهوب غسان بن جدو لقاءه مع مؤسس حزب العدالة والتنمية الإسلامي ورئيس الجمهورية التركية. وهي كلمات تلخص حصيلة التجربة التركية وصراعها بين الثنائيات التي فرضت علينا فرض. بين الديمقراطية والشورى، وبين العلمانية والإسلامية، وبين الهوية والحرية، وبين الإسلام والسياسة، وبين الأصالة والحداثة.
لقد حسمت تركيا أمرها..
إخترت عدم اعلان بيان للرد على البيانات.. فما من بيان آخر إلا ويزيد الطين بلة.. وما من بيان إلا ويتحرك على محور العهر-الكذب.. بين حقد عميق وكره دفين.. بين انتكاسٍ نحو الوثن والصنم وبين انغماسٍ في الشخص والقِدم.. بين نفسٍ مريضة وآخرى عجوزة.. وبقدر ما في الصدور فالحديث يطول.... وحين لا تتناهى المعاني تتناهى العبارات..
بل اخترت أن ألفت النظر إلى من يتفاعلون مع القضايا الكبرى ليحققوا الانجازات العظيمة! وحين تصغر العقول لا تنجز الأمور... فإليكم عناوين الأمور:
صراع الهوية والفكر هي المدخل!
قلت لقد حسمت تركيا أمرها..
لقد حسمت مسألة هويتها الحضارية والثقافية.. لقد عادت إلى أحضان الشرق المؤمن( نسأل الله أن يكون مؤمناً).. وما فعلت ذلك إلا بعد أن حسم قادتها أمرهم في السير نحو الانجازات العظيمة.. لقد حسم حزب العدالة والتنمية علاقاته الفكرية والتنظيمية مع الجيل القديم المؤسس.. لقد خرج من ثوب الشيخ ليلج عالم القائد.. من فكر الشخص إلى شخص الفكر.. من فكرة الشيخ إلى فكرة الفكر. هكذا تحررت الهوية التركية من عباءة الشيخ أربكان.. من اختزال الإسلام والسياسة في موروثات بالية وعلاقات شخصية، وهيبة وهميّة مخادعة. هذا الصراع بين انتماء لماض بالٍ ميت.. كما يصفها أستاذنا المرحوم "بالأفكار الميتة".. وبين انتماء لحاضرٍ واعٍ ومستقبلٍ مشرقٍ وهوية متجذرة في الفكر والعمق والواقع.. هذا الصراع بين واقع ميت وبين واقع حيّ..
لقد حسمت تركيا أمرها.. فاختارت الهوية والفكر لتدخل العالم والتاريخ كما خرج ويخرج منه آخرون
لقد انتهت اللعبة
لقد أنهت تركيا اللعبة وحسمتها في بداية الألفية الثالثة الميلادية... لقد حسمت أمرها وشاركت في اللعبة وبأدواتها وسلاحها الهوية والفكر.. بينما تسلح آخرون باللسان واللعاب! عندما اكتسح شيخهم قبلهم بأعوام البرلمان تركي.. لم يستحضر معه إلا اللسان ومنابر الغوغاء ... فما لبث أن تقهقر تحت ضربات العسكر وألقي في غيابات السياسة.. وإن كانت مجرد مداعبة.. بعكس مريديه المتمردين، الخارجين من عباءته، حين تعرضوا لأشد المؤامرات الأتاتوركية كراهية ومكراً .. ولكنّ سلاحهم بعكسه، سيوفهم المجردة من أغماد الفكر والهوية والسياسة!! وهنا الفارق يكمن.. وهنا حُسمت اللعبة... وانتهت
حسمت تركيا أمرها.. وحسمت اللعبة الكبرى.. وما زلنا نحن لاعبين صغار
النابشون في قبور النوايا
حسمت تركيا أمرها.. وقررت خروجها من عقدنا النفسية التي أثقلت كاهلنا منذ قرون.. قررت ان تطهر صفحتها من نفسية الحقد والشك والظن.. وتجلب نفسية المنتصر والواثق بقدراته في مواجهة المكر الأتاتوركي المتربص للحرية والإيمان والعمل والفكر والهوية والتقدم.. وفي مواجهة نفسية مثقلة بماضٍ مهترء ومهزوم ومنغلق وشخصيّ وأنانيّ، متلبسٍ بلباس التقوى والورع والكلمات... وفي أقرب مكاشفة صوفيّة مُسكرةٍ، ينفث سُمومَه المتجذرة في أعماق صدور.. اسودت من الغُلّ.. من شدة ما نبشت في قبور النوايا...
لقد حسمت تركيا أمرها.. وتركت النوايا لباريها.. ونبذت علاقاتها المهترءة مع الأعراب والعرب، والفرس والأرمن، والروس والكرد، والأذر والغرب... وبحثت عن عمقها النفسي .. عن عمقها الاستراتيجي.. عن عمقها التاريخي... عن دورها العميق.. منذ الفاتح وسليمان.. منذ البدء
الحداثة هي التحديث في الواقع بالواقع
حسم الترك أمرهم... لا حداثة بلا أصالة ولا أصالة بلا حداثة..
حسموا أمرهم وتركوا من خلفهم عقد الخوف من مواجهة الحداثة والتقدم والتطور والتنمية.. ولكنّهم أبداً لم يتنكروا لأصولهم العقدية في العدل والعدالة... هي أصالة متجذرة في هويتهم.. ألم يلقب سيدهم وخادمهم منذ قرون "بالقانونيّ" ؟! .. لقد تغنينا بسليمان وعدل عمر أكثر منهم وقبلهم بعد سلخهم قهراً عن هويتهم وعمقهم .. ولكنّهم استحضروهم من عمق التاريخ في فكرهم وهويتهم وسياستهم واستراتيجيتهم.. ونحن ما زلنا نغني ونرقص.. نغني على فقرنا ونرقص على جراحنا.. فقرنا الفكري وجراحنا النفسية.. وفي كل سهرة نسكر حتى الصباح.. ونعظ الناس حتى المساء.. فلا واقع بل خداع!! ولا إصلاح بل صراخ!! ولا بيان بل كلام !! ولا برهان بل غثيان !! ولا قرآن...
حسم شعب أردوغان أمرهم .. وزعيمهم "الفتى الشجاع"
("أر" تعني القوي أو الشجاع، و"دوغان" تعني الطفل).
فإذا كان طفل من حسم للترك أمرهم.. فأين قزم العُرب من فتى التُرك؟!
سرالانطلاقة
حَسْمُهُم أمرَهم.. بنبذ العهر والكذب.. بل حتى الكلام فيهما.. وما زلنا نحن نراقص اللسان !.
حسمهم أمرهم.. بنبذ صغائر الأمور.. بل حتى التفكير فيها.. وما زلنا نحن نتقن الغناء
حسمهم أمرهم.. بنبذ عفوية القادة .. بل حتى الحلم عنها..وما زلنا نحن لا ندرك التخطيط
حسمهم أمرهم.. بنبذ العقد الدفينة.. بل حتى الشعور فيها.. وما زلنا نحن نخبأ الكثير
حسموا أمرهم.. وما زلنا نحن لا نحسن التدبير... فحسبنا الله ونعم الوكيل
من وحي الواقع سطرت كلماتي:
أسامة عباس بيت المقدس
9-12-2009